وجد غاليري المرخية في الدوحة أن معرضاً ثنائياً باسم الفنانين القطري يوسف أحمد (1955) والمصري حازم المستكاوي (1965- 2024) كافٍ لأن يكون بلا عنوان.
ربما لأن العنونة تضيّق على ما يقترحه التجاور: عالمان يشتركان في مادة خام واحدة هي الورق، ويذهبان كل في طريق.
المعرض الذي افتتح الأسبوع الماضي في مقر مطافئ الفنانين بالدوحة ويستمر حتى الثامن عشر من يونيو/ حزيران المقبل، هو الثاني الذي يُقيمه للمستكاوي في الدوحة، من مقتنيات شاركت في معرض سابق أوسع وهو أحد معارض ومشاركات عديدة ليوسف أحمد، أحد الأسماء المفضلة للغاليري.
يُحوّل يوسف أحمد بيديه في مشغله الخاص، سعف النخيل القطري إلى ورق منذ سنوات طويلة، وحازم المستكاوي يبني عوالمه من الكرتون والورق المقوّى المعاد تدويره.
وهذه نقطة تشاركية تلتقي لتفترق وتتفرع، حين تتأمل الأعمال، مسارات متباينة في الروح والعلاقة مع الشكل.
يظهر ألطف توتر بين العالمين في علاقتهما بالحرف العربييظهر ألطف توتر بين العالمين في علاقتهما بالحرف العربي.
فالحرف لدى يوسف أحمد يتفكك ويذوب في السطح ويغادر مهمته اللغوية نحو حضور حسي.
ولدى المستكاوي يتصلب الحرف ويرتفع ويتحول إلى بناء.
كلاهما يحرر الحرف من سجنه الدلالي، غير أن الأول يفعل ذلك بالتشظي، والثاني بالمعمار.
لهذا بدا المعرض أكثر من لقاء ثنائي.
إنه في نظرة أفقية تجمع في إطار واحد أعمالاً بنائية على الطاولة للمستكاوي وفوقها لوحات ليوسف أحمد، أعمالاً تفكر في المادة على مسارين مختلفين، بحيث يمكن لشيء بسيط مثل الورق أن يحمل نباتاً، وحجراً، وخطاً، ومدينة من الكلام.
يبدو السطح في أعمال يوسف أحمد كائناً حياً أكثر من كونه خلفية.
في إحدى اللوحات المنجزة عام 2013 من ورق سعف النخيل على لوح، يحضر السطح على هيئة جلد قديم أو لحاء شجرة عتيقة.
الألياف ظاهرة، والعُقد بارزة، وآثار الخط العربي لا تبدو مرسومة فوق المادة، وإنما غائرة فيها.
فالنص غير مقروء على نحو مباشر، والعبارة غير مكتملة، بل بقايا حروف تتكسر وتعود، في إيقاع يحرر الحرف من وظيفته اللغوية ويدفعه نحو حضور بصري وملمسي.
وفي عمل آخر من العام ذاته، ينقسم السطح إلى مجالين متجاورين، نصف أخضر كثيف يقترب في بعض مناطقه من السواد، ونصف رمادي فاتح يميل إلى السكون.
لا يسعى الفنان إلى صهر المساحتين في وحدة ناعمة، ولا إلى فصلهما قسراً، وإنما يتركهما في حالة تعايش متوتر داخل إطار واحد، حيث تصبح المجاورة نفسها هي موضوع اللوحة.
لوحة أخرى يخرج الحرف فيها من استوائه التقليدي إلى الفضاء، فيتحول إلى جسم أبيض متشابك يطفو فوق طبقات الورق.
هنا لا يعود الحرف أثراً مسطحاً، وإنما كتلة تمس الضوء وتلقي ظلها على الخلفية، فتضيف مسحة جديدة من الحضور لم تُرسم بيد مباشرة.
أما الثلاثيات المعلّقة ذات الأطر الخشبية فتواصل هذا المنهج عبر طبقات من الورق بألوان رمادية وسوداء وبيج، تتقاطع وتترك حوافها مكشوفة.
المادة لا تُخفى، بل تُعرض بوصفها تاريخاً لصنعها.
ثمة تجربة على لوحات بقياسات صغيرة، ومنها ما نعاينه في عمل منجز عام 2023 حيث تتحول الألياف المتشابكة إلى خطوط حرة تسبح في فضاء دافئ، يتراوح بين العفوية والضبط.
ولعل ما يوحد تجربة يوسف أحمد أن العمل لا يبدو منتهياً تماماً.
السطح في حالة تحوّل دائم، والقراءة البصرية تتطلب اقتراباً وتبديل زاوية النظر وملاحظة أثر الضوء.
على الضفة الأخرى، ينطلق المستكاوي من الفكرة قبل المادة، ثم يعيد ابتكار المادة بما يخدمها.
اختياره للكرتون والورق المعاد تدويره لم يكن خياراً اقتصادياً أو عابراً، وإنما موقف جمالي.
فهو يأخذ مواد توصف بالهشاشة والمؤقتية، ثم يجعلها تحمل هيئة الحجر أو العمارة أو الأثر القديم.
يقال دائماً إنه ينحت الكرتون، وهو الأمر الذي يتداوله محبو فنه.
وفي العادة يتعرف جمهور المشاهدين على هذا النمط الفني مع توقع سماع عبارة" كنتُ أظنها منحوتات حجرية".
والحقيقة أن سطح الكرتون المعالج يوهم بأنه حجر جيري أو رمل مضغوط.
وهذا الوهم البصري جوهري في تجربته، لأن المادة لا تتنكر لتخدع، وإنما لتسأل عن الفرق بين المظهر والجوهر.
ما الذي يوهمنا بأن المسامات حجرية، وندرك ثقل وزنها وقوة ارتطامها، وهي ليست سوى كرتون؟ هذا يشبه الحياة الأكثر واقعية في فيلم سينمائي.
لدينا عمل يضم عشرة أجزاء تمثل بدايات الحروف العربية، تقف العناصر على قاعدة واحدة في صف متدرج.
تبدأ الأشكال مثقلة بالتفاصيل، ثم تميل تدريجياً إلى الامتداد الرأسي والخفة، كأن الحروف تمر بتحول من الثقل الأرضي إلى النزوع نحو الأعلى.
مجموعة أخرى تتوزع على رف، تبدو الحروف أبنية قائمة بذاتها ما بين المفتوح بباب، والمحاط بجدار، والمحتفظ بفراغ داخلي.
السطوح مغطاة بشظايا ورقية صغيرة رُتبت بدقة، فتنتج ملمساً قريباً من أرض متشققة أو فسيفساء قديمة.
من بعيد تُرى حروفاً، ومن قرب تُرى عمارة.
وتتبادل الرؤيتان السيطرة دون أن تلغي إحداهما الأخرى.
وفي عملين متجاورين، أحدهما رمادي داكن والآخر أصفر ساطع، تتوزع كرات ناقصة عمودياً بحيث يختلط لون الجسم بلون الحاضنة، فلا يعود واضحاً أين يبدأ الشكل وأين ينتهي.
هنا لا يتحدث العمل عن الشيء أو نقيضه، وإنما عن المنطقة الفاصلة بينهما، حين تصبح الحدود ذاتها موضوعاً للرؤية.
جعل غاليري المرخية التجاور بين الفنانيْن سؤالاً حقيقياً لا مجرد تنسيق بين اسمين.
فحين ينتقل الزائر من يوسف أحمد إلى المستكاوي يشعر أن الورق نفسه يعيد تعريف ذاته.
عند الأول مادة حية تحتفظ بأصلها النباتي وأثر الزمن فيها، وعند الثاني وسيط قادر على تقليد الحجر ومخاطبة فكرة الديمومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك