تشكّل الهجمات غير المسبوقة في مالي، على يد «جهاديين» مرتبطين بتنظيم القاعدة وحلفائهم الطوارق في «جبهة تحرير أزواد»، المحاولة الأحدث في سياق مساعي هذين الفصيلَين للسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، وإنهاء حُكم المجلس العسكري المستمر منذ العام 2020.
وعلى الرغم من التباين الظاهر في مصالح الانفصاليين والجهاديين، وفق ما يقول خبراء، يبدو أن اتحادهما الراهن يركّز على عدو مشترك هو المجلس العسكري الحاكم، وداعميه من القوات شبه العسكرية الروسية.
وأعلنت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل الإفريقي، في أواخر شهر أبريل/ نيسان، مسؤوليتها عن سلسلة هجمات نُفذت بالتعاون مع متمردي الطوارق في «جبهة تحرير أزواد».
ومن خلال مهاجمة مواقع استراتيجية يسيطر عليها المجلس العسكري الحاكم في عدد من المدن الكبرى وعلى أطراف العاصمة باماكو، تمكّن المسلحون من السيطرة على مدينة كيدال الشمالية، وقتل وزير الدفاع ساديو كامارا.
وسارعت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» إلى إعلان انتصارها، عازية إياه إلى «العمل الدؤوب» و«المشاركة الفاعلة لإخوتنا في جبهة تحرير أزواد»، علما أن الحركة الانفصالية، التي تأسست في العام 2024، تسعى إلى استقلال إقليم أزواد في شمال مالي.
وشنّ المتمردون والجهاديون هجوما مشتركا على كيدال، لتعود إلى سيطرتهم بعدما كان المجلس العسكري، مدعوما من حلفائه في «فيلق إفريقيا» التابع لروسيا، استعادها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.
كذلك، أفادت مصادر أمنية بأن الجبهة والجماعة قاتلتا أيضا جنبا إلى جنب في مدينة غاو الشمالية.
ولعل ما يجري اليوم يشبه إلى حد كبير الأزمة التي هزّت مالي في العام 2012، حين تحالف متمردو الطوارق مع الجهاديين للسيطرة على مراكز استراتيجية في شمال البلاد، قبل أن يتفكك الحلف وينقلب الحليفان بعضهما على بعض.
والطوارق، شعب رحّل تاريخيا ينتشر في مالي والنيجر والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو، هم من الجماعات التي حملت السلاح لعقود احتجاجا على التهميش، ولا سيما في منطقة كيدال.
وعلى مدى سنوات، ظلت العلاقات بين الطرفين (الجبهة والجماعة) متوترة، وتخللتها اشتباكات مباشرة في أبريل/ نيسان 2024 على الحدود مع موريتانيا.
لكنهما تحالفا مجددا في العام 2025، بحسب وسيم نصر، الباحث في مركز «صوفان» للدراسات في نيويورك، والمتخصص في الحركات الجهادية.
وينص الاتفاق الجديد بين «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» على أن يقبل المتمردون الطوارق بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأن لا يُعيَّن القضاة إلا بموافقة الجانبين، فضلا عن تقاسم الخبرات العسكرية بينهما.
ويوضح نصر أن الاتفاق ينص أيضا على أن تتولى «جبهة تحرير أزواد» إدارة المراكز الحضرية بشكل أساسي، فيما يتولى الجهاديون المناطق الريفية.
ويضيف أن ما سهّل قرار التعاون بينهما هو إبداء الجماعة استعدادها لمشاركة خبراتها في استخدام العبوات الناسفة اليدوية الصنع وقذائف الهاون، وهي قدرات لا تتقنها الجبهة.
ووفقا لنصر، فإن الهجمات المنسقة شكّلت «المرة الأولى التي نرى فيها فعليا بنود الاتفاق تُطبَّق على الأرض».
من جانبه، يقول مدير مشروع الساحل في «مجموعة الأزمات الدولية» جان-هيرفي جيزيكيل إن سمة مميزة لهذا التحالف الجديد تكمن في أنه يجمع منظمتين بأجندات مختلفة، إذ «تسعى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى أجندة سياسية دينية تتمحور حول إقامة الشريعة ورفض القوات الأجنبية، فيما تدافع جبهة تحرير أزواد عن أجندة إقليمية وانفصالية تتمحور حول أزواد».
ويلفت إلى أن «هذا التقارب يقوم أولا وأساسا على وجود أعداء مشتركين، هم السلطات المالية وشركاؤها الروس».
التعجيل بسقوط المجلس العسكريبحسب وسيم نصر، فإن الهدف الاستراتيجي للتحالف ليس الاستيلاء على السلطة في باماكو، بل استعادة المناطق الشمالية.
وعن السيطرة على كيدال، يقول: «لقد قيّدوا حركة الجيش في وسط البلاد، ووجّهوا ضربة للحكومة في باماكو ما شلّ الرد العسكري، وحققوا أهدافهم في الشمال».
ويتابع: «قد يحاولون لاحقا استثمار هذا التفوق في وسط البلاد للتعجيل بسقوط المجلس العسكري والدفع نحو تغيير النظام في باماكو».
وإلى الآن، لم يدل زعيم المجلس العسكري أسيمي غويتا بأي تصريحات، كما أنه لم يظهر علنا إلا بعد أيام من الهجمات، فيما أُصيب رئيس جهاز الاستخبارات موديبو كوني بإطلاق نار.
ومن وجهة نظر جان-هيرفي جيزيكيل، مدير مشروع الساحل في «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن استراتيجية هذه الجماعات «تتمثل في إضعاف السلطات المالية ونزع الشرعية عنها عبر تكثيف الضغط الأمني عليها، أملا في أن ينهار النظام، بدلا من السعي مباشرة إلى الاستيلاء على السلطة، وهو ما يبدو أكثر تعقيدا على المدى القريب».
وبخلاف تحالفات أوائل العقد الثاني من الألفية، التي تفككت سريعا، يرى جيزيكيل أن اتفاق التعاون الحالي قد يستمر لفترة أطول، حتى وإن ظلت آفاقه على المدى المتوسط غير مؤكدة.
أما نصر فيقول إن الاختبار الحقيقي لهذا التحالف ستحدده كيفية إدارة المدن مثل كيدال، وهي مرحلة لم تبدأ بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك