أعلم أن جملاً من عينة «شد حيلك» أو «خُد لك يوم أجازة»، أو حتى محاولات تسفيه أمر «الاحتراق النفسي» على طريقة «أنت مكبّر الموضوع» و«احمد ربنا غيرك مش لاقي اللي أنت فيه» لن تُجدى أو تساعد، لذا ربما من الحكمة أن تتجاهلها تماماً وتركز على إيجاد إجابة شافية للسؤال الأهم: كيف نطفئ النيران ونبرد الرماد، ونستعيد بعضاً من عافيتنا النفسية المفقودة عقب شهور أو ربما سنوات من الاحتراق النفسي؟ !لا، الحل ليس في تنظيم الوقت، ولا في دورات تنمية ذاتية، في الواقع هذا يزيد الأمور سوءاً، تلك النوعية من النصائح تخبرك بطريقة ما أنك السبب فيما تشعر، وبالتالي عليك -أنت المحترق نفسياً- أن تبذل جهداً أكبر كي تتحسن وتخرج من تلك الحالة، لكنك في الواقع لن تخرج، بل ستغرق أكثر وأكثر حتى لا تعود قادراً على التنفس، لذا ربما طرف الخيط الأول أن تضع يدك على السبب، فالمقدمات ذاتها تقود إلى نفس النتائج، والبداية عادة مع تحديد السبب وراء ذلك الضغط، ما الذي يضغطك حقاً؟ماذا عن تقليل الحمل وليس إدارته؟ ما الضير إن اعترفنا أن الأمور أكبر من طاقتنا على الاحتمال؟ وما الذي يمكن أن يحدث إن اعترفنا أننا ربما بحاجة إلى تقليل المسئوليات أو عدد ساعات العمل أو حتى أيامه؟ في الواقع فإن تقليل العبء هو العامل الأهم في التعافي من الاحتراق، حيث الأولوية هنا للحالة النفسية وليس للإنتاجية.
الخطوة التالية تبدأ حين تتم الإجابة بصدق شديد عن مجموعة أسئلة شائكة، مثلاً: هل تحظى بنوم منتظم وكافٍ وعميق من 7 إلى 9 ساعات؟ وهل تحصل على فواصل حقيقية على مدار اليوم من دون هاتف أو شاشات، هل تمارس أنشطة قادرة على فصل رأسك عن التفكير المتواصل مثل ممارسة رياضة خفيفة أو المشي لمسافة؟فى حالتى كامرأة شخَّصها الطبيب بأنها «محترقة نفسياً بشدة» كان جزء من حل المشكلة هو إعادة استكشاف الوقت الخاص أو «المي تايم»، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، فأنت حين تقضى وقتاً يخصك فى مقهى تحبه، أو تحصل على عناية بشعرك، أو حتى جلسة مساج، فهذا لا يُحسب كوقت خاص إن كنت تقضيه متوتراً شاعراً بضيق تنتظر لحظة النهاية، الوقت الخاص الحقيقى هو الذى تقضيه باستمتاع كامل، ولا تفكر إلا فيما تفعل وحسب، اندماج حقيقى هنا والآن، دون قلق أو ترقب أو انتظار.
ليس ثمة وصفة جاهزة ولا حلول تصلح للجميع، لكن ثمة أسئلة تحتاج إلى إجابات صادقة بلا تجميل ولا كذب، ربما تلك لحظة مناسبة كي تسأل نفسك عن الجزء الذي يستنزفك حقاً فى حياتك؟ وعن الحدود التى أنت بحاجة لوضعها بوضوح؟ وعن المهام التى يمكن أن يتم إلغاؤها أو تفويضها لأحد غيرك، الاحتراق النفسي لا يعني أنك شخص ضعيف الشخصية، أو أنك عاجز عن تنظيم وقتك أو تفتقد المهارات، لكنه يعني أنك تحت ضغط كبير واستباحة واضحة لحدودك.
المسألة ليست هينة، والاحتراق النفسى ليس «دلعاً» أو «كسلاً»، فى الواقع هي حالة نفسية أحياناً ترتبط بقلق مزمن، وأعراض تشبه الاكتئاب، شعور بعدم الجدوى، وبأن الأمور خارج السيطرة.
فى بعض الحالات المتقدمة قد يكون من المفيد اللجوء إلى اختصاصي نفسي، حيث تفيد جلسات العلاج المعرفي السلوكي، وكذلك جلسات الدعم النفسي، أو ربما يتطلب الأمر في بعض الحالات المتقدمة والشديدة علاجاً دوائياً، وهي مسألة يحددها الطبيب، لكن أنت من يحدد، هنا والآن، هل أنت حقاً محترق نفسياً وبحاجة إلى وقفة أم أن الأمور على ما يرام؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك