في تحول دراماتيكي لمفاهيم النزاهة الاكاديمية، تشهد الساحة العلمية في مملكة الجامعات الورقية ظاهرة فريدة من نوعها، حيث انقلبت الاية واصبح التزوير هو المنهج المعتمد، وشراء البحوث هو السلوك السوي، بينما يطارد الباحث الحقيقي بنظرات الريبة والازدراء.
بدات القصة عندما قرر المسؤول ان الحصول على الالقاب العلمية لا يحتاج الى مختبرات او سهر الليالي، بل الى محفظة ممتلئة ومكتب خدمات جامعية.
ومنذ ذلك الحين، صدر العرف غير المكتوب: كل من يتعب في بحثه هو شخص يثير الشبهات ويعطل عجلة الترقيات السريعة.
واصبحت معايير النجاح الاكاديمي تعتمد على:* سرعة التوصيل: البحث الذي يجهز في 24 ساعة هو البحث المثالي.
* الدفع المسبق: القيمة العلمية تقاس بالدولار لا بالنتائج.
* الاستنساخ المبدع: فكرة واحدة يعاد تدويرها لمئة باحث مع تغيير اسم المحافظة فقط.
وفي وسط هذا الجو المثالي من البحوث الجاهزة والمختومة بختم المكاتب التجارية، ظهر في اروقة الجامعة تدريسي غريب الاطوار.
يقال انه شوهد يفتح كتبا حقيقية، ويقضي ساعات في المختبر، والادهى من ذلك، انه يكتب بحثه بيده دون الاستعانة بخلفية المكتب المجاور!سادت حالة من الضحك والسخرية في نادي الاساتذة عند سماع قصته، وصرح احد فرسان التزوير وهو يقلب بحثا اشتراه للتو:انظروا الى هذا الشاذ، يريد ان يقنعنا بانه اكتشف نتائج جديدة! لماذا يتعب نفسه ولديه المكاتب؟ يبدو انه يعاني من نقص في الذكاء الاجتماعي، او ربما هو جاسوس يريد كشف عبقريتنا في القص واللصق!عندما يصبح العلم اذنا زائدة!ان ما يحدث اليوم في دهاليز الجامعات هو استنساخ عصري لقصة الخليفة وطفله صاحب الاذن الواحدة.
فكما قرر الخليفة قديما قطع اذان المواليد لكي لا يبدو ابنه المشوه شاذا بين الناس، قررت المنظومة الاكاديمية قطع لسان النزاهة وتشويه سمعة البحث الرصين لكي لا يبدو المزور قبيحا بجانب العالم الحقيقي.
لقد نجحت المنظومة في جعل التزوير هو الشكل الطبيعي والجميل، واصبح الباحث الذي يتمسك بأذني الامانة والدقة يبدو في نظرهم مسخا يثير الضحك.
ففي بلد الاذن الواحدة الاكاديمية، لا مكان لمن يسمع صوت الضمير او يرى الحقيقة، لان" القيادات" اتفقوا على ان النقص هو الكمال، وان الغش هو الاذن التي يجب ان يطرب لها الجميع!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك