لا يتأخر عمال فلسطين على مدار السنوات المنصرمة, عن إحياء ذكرى يوم العمال العالمي في الأول من مايو كل عام.
فبالرغم من معايناتهم والقهر الذي يتعرضون له على يد الاحتلال إلا أنهم يصرون على انتمائهم وتضامنهم مع عمال العالم, بل ويحتفلون بما أنجزته الطبقة العاملة العالمية من إنجازات, أخذت التطورات الاجتماعية والتكنولوجية, في نهشها, وتقزيمها بما يضع طبقة العمال في أدنى سلم المجتمعات, ويعانون من بطالة متزايدة وعملية تهميش لا تتوقف.
عمال فلسطين يتعرضون لما هو أبشع وأشد ظلما مما تتعرض له الطبقة العاملة حتى في الدول الأكثر تخلفا, وذلك بسبب سياسة الاحتلال, والمستوطنين التي تستهدف كل مصادر حياتهم وممتلكاتهم.
في هذا العام يقرر الاتحاد العام لنقابات العمال في فلسطين إلغاء كافة الفعاليات المرتبطة بإحياء هذه المناسبة العالمية, فربما كان الصمت الموجع والاحتجاج على هذه الطريقة, سببا للفت أنظار عمال العالم والتحرك لرفع المعاناة عن عمال فلسطين أو على الأقل التخفيف من حدتها.
يقدم الاتحاد العام لنقابات العمال في فلسطين أرقاما ومعطيات مرعبة لواقع الحال, فالبطالة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة وتكاد، تفصح عن بعض جوانب الكارثة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني خصوصا منذ السابع من أكتوبر 2023.
قطاع غزة يعاني من بطالة تصل إلى 83% من القوة العاملة, بينما تصل إلى 38% في الضفة الغربية.
إذا كان قطاع غزة بأكمله يتعرض لحصار خانق, وتدمير لكل مقومات الحياة, ضمن سياسة هادفة من قبل الاحتلال, لقتل السكان أو دفعهم إلى الهجرة, فإن الضفة الغربية تخضع لسياسات احتلالية هادفة لتطبيق ما يتعرض له قطاع غزة, ولتحقيق الهدف ذاته , بوسائل أقل صخبا, وأقل لفتا للأنظار.
تتبع السلطات الإسرائيلية, سياسة إفقار السلطة الفلسطينية, وإضعاف قدرتها على إدارة أوضاع الناس المعيشية, من خلال القرصنة على أموال المقاصة.
التي هي حق للفلسطينيين حتى وفق اتفاق باريس الاقتصادي.
السلطة تعاني من نقص الموارد, حتى بالحد الأدنى الذي يمكن مساعدتها على دفع رواتب موظفيها.
وتتراكم الديون شهرا بعد آخر حتى تجاوزت الخمسة مليارات من الدولارات, حتى تكاد تنفذ القدرة على الاستدانة من البنوك والقطاع الخاص.
لا تجد السلطة وسيلة لمتابعة واجباتها إلا ما يعرف بعملية تلبيس الطواقي ولكن إلى متى يمكن أن تستمر في ذلك؟ فمنذ 3 السابع من أكتوبر 2023 حرمت إسرائيل 250 ألف عامل فلسطيني من التوجه إلى العمل داخل ما يعرف بالخط الأخضر.
حيث تعمل سلطات الاحتلال على استبدالهم بعمال هنود, ومن دول جنوب شرق آسيا.
هذا يعني أن أزمة العمالة الفلسطينية ليست مؤقته يمكن أن تنتهي بانتهاء حالة الاضطراب التي تسود الأوضاع في فلسطين والمنطقة.
وتشير المعطيات التي يتحدث عنها الاتحاد العام لنقابات العمال, إلى أن سياسة الاعتقال والقتل والتنكيل أودت بحياة خمسين عاملا.
واعتقال ما يزيد عن ثمانية وثلاثين ألفا هذا فقط خلال العامين والنصف المنصرمين.
ترفض إسرائيل منح هؤلاء مستحقاتهم لنهاية الخدمة أو تعويضهم أو دفع رواتبهم أو إعادتهم إلى العمل.
ما يعني أنهم بالجملة لا يتمتعون بأنظمة حماية اجتماعية.
لا يقتصر الأمر على ذلك بل إن السياسة الرسمية الإسرائيلية التي ينفذها الجيش بالشراكة مع الميليشيات الاستيطانية المسلحة, لا تتوقف عن ملاحقة العمال والمزارعين والرعاة, بالقتل, وتدمير الممتلكات ومصادرة الأراضي وسرقة المواشي والتهجير.
يحصل كل ذلك, بينما تنتظر السلطة وعودا, بمساعدات أوروبية, مرتبطة بجملة إصلاحات صعبة, ينبغي على السلطة أن تقوم بها.
تتقلص مساحة الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه السلطة, فالولايات المتحدة أوقفت كل أشكال المساعدات, ومع ترمب, لا يمكن أن يتغير هذا الواقع.
ودول الخليج العربي, التي يمكن حثها على تقديم بعض المساهمات التي لا تصل إلى حد توفير شبكة أمان مالية، قضت بها كل القمم العربية, هذه الدول تتذرع بما تعرضت وتتعرض له من خسائر نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة.
هكذا يكون الأفق صعبا أمام إمكانية استمرار السلطة باعتبارها تشكل الأساس الوطني الذي تقوم عليه الدولة الفلسطينية كهدف محتمل.
لا يبدو أن أمام الفلسطينيين سوى الصمود والصبر ومقاومة سياسات الاحتلال, الأمر الذي يستلزم أولا وأساسا استعادة الوحدة ولعل في صمود أهل غزة الأسطوري ما يلهم الجميع على اللتحمل إلى أن تفتح أمامهم أبواب الأمل والانفراج بما يمكن أن تأتي به المتغيرات المتسارعة في المنطقة والعالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك