باتت صناديق الاستثمار ضرورة ملحة مع ارتفاع تكلفة التمويل، وتزايد الحاجة إلى توطين الصناعة وتعميق المكون المحلي، باعتبارها آلية يُمكن أن تسهم في سد جزء من الفجوة التمويلية، وجذب استثمارات جديدة، ودعم القطاعات ذات الأولوية، إلا أن نجاحها يظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق التوازن بين العائد والمخاطر، وتباين آراء مجتمع الأعمال حول فاعلية هذه الصناديق وحدود دورها، بين من يراها خطوة ضرورية لدعم الصناعة، ومن يؤكد أنها لن تكون كافية بمفردها دون إصلاحات هيكلية أعمق، وهو ما يفتح الباب لنقاش أوسع حول أفضل السّبل لتعزيز تنافسية القطاع الصناعي خلال المرحلة المقبلة.
«هنو»: صناديق الاستثمار حل أفضل من دعم الفائدة.
وارتفاعها أكبر تهديد لتنافسية القطاع الصناعيوقال محمد هنو، رئيس مجلس إدارة جمعية رجال أعمال الإسكندرية، لـ«الوطن» إنّ هناك اتفاقاً واسعاً بين المصنعين والخبراء الاقتصاديين على أن ارتفاع سعر الفائدة في مصر يُعد من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الصناعي، ويؤثر بشكل مباشر على تنافسيته، مشيراً إلى أن مبادرة صناديق الاستثمار الصناعية تُعد من الحلول أفضل نسبياً، مقارنة بآليات دعم سعر الفائدة التقليدية.
وأكد «هنو» أنّ الحكم النهائي على المبادرة يتطلب توفير مزيد من التفاصيل، خصوصاً في ما يتعلق بآليات التنفيذ والتمويل، موضحاً أن ما تم تداوله يشير إلى أن البنوك قد تكون من بين الجهات الممولة لهذه الصناديق، وحال طرحها للاكتتاب العام، فإن نجاحها سيعتمد بشكل كبير على كفاءة تسويقها، ومدى ثقة المستثمرين في القائمين على إدارتها.
وشدّد «هنو» على أن إسناد إدارة هذه الصناديق إلى متخصصين في إدارة الأصول يُعد شرطاً أساسياً لضمان نجاحها، لما يتطلبه هذا النوع من الأدوات الاستثمارية من خبرات احترافية في إدارة المخاطر وتعظيم العوائد، مشيراً إلى أن أحد التحديات الرئيسية التي قد تواجه هذه الصناديق يتمثل في مدى تقبل المصنعين لهذا النموذج التمويلي الجديد، لافتاً إلى أن المبادرة تُغيّر طبيعة العلاقة التقليدية بين الممول والمصنِّع، لتتحول من علاقة إقراض إلى شراكة، وقد يحتاج ذلك إلى وقت لبناء الثقة والتكيّف معه داخل السوق.
وقال «هنو» إن هذه الصناديق، رغم أهميتها، تظل أداة تمويلية فقط، ولا يمكنها بمفردها معالجة كل التحديات التي تواجه الصناعة، مُشدداً على ضرورة أن تتزامن مع حزمة من الإجراءات الأخرى، التي تستهدف تذليل المعوقات التشغيلية والتنظيمية، موضحاً أن مختلف القطاعات الصناعية قد تكون لديها احتياجات تمويلية، ويمكن أن تستفيد من هذه الصناديق، إلا أن درجة الاستفادة ستختلف من قطاع إلى آخر، وفقاً لطبيعة النشاط وظروفه.
وفي ما يتعلق بإمكانية مساهمة هذه الصناديق في إنقاذ المصانع المتعثرة، أشار «هنو» إلى أن الأمر يتوقف بشكل أساسي على أسباب التعثر، موضحاً أنها قد تنجح في الحالات التي يكون فيها الخلل، مرتبطاً بهيكل التمويل، لكنها لن تكون فعّالة إذا كانت المشكلات تشغيلية أو إدارية في الأساس.
«السقطي»: المبادرة خطوة إيجابية لدعم الصناعة مؤسسياً لا مؤقتاً عبر أداة تمويل غير تقليديةفيما أكد المهندس علاء السقطي، رئيس اتحاد المشروعات الصغيرة والمتوسطة ونائب رئيس اتحاد مستثمري مصر، أنّ فكرة طرح صناديق استثمار صناعية تُعد خطوة إيجابية للغاية، وجاءت في توقيت مهم، في ظل الاحتياج الحقيقي للقطاع الصناعي لأدوات تمويل غير تقليدية، خصوصاً مع الضغوط التمويلية وارتفاع تكلفة التشغيل، مشيراً إلى أن المبادرة تعكس توجهاً واضحاً من الدولة لدعم الصناعة بشكل مؤسسي وليس عبر قرارات مؤقتة.
وأوضح «السقطي» أن هذه الصناديق يمكن أن تُمثل جزءاً من الحل، لكنها ليست الحل الكامل لأزمة التمويل، لافتاً إلى أنها قد تُخفّف العبء عن التمويل البنكي مرتفع التكلفة، لكنها في المقابل تحتاج إلى تصميم دقيق يراعي طبيعة النشاط الصناعي، باعتباره استثماراً طويل الأجل لا يحقق عوائد سريعة مقارنة بقطاعات أخرى.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه هذه الصناديق مسألة العائد، حيث إن الاستثمار الصناعي غالباً ما يكون أقل وأبطأ من حيث العائد، مقارنة بقطاعات مثل العقارات أو الخدمات، وهو ما سيخلق فجوة بين توقعات المستثمرين وطبيعة القطاع، مؤكداً أن نجاح هذه الصناديق يتوقف على قدرتها على تحقيق توازن بين العائد والمخاطر، وربما تقديم حوافز إضافية لتعويض ذلك.
وفي ما يتعلق بنموذج الإدارة، رجّح «السقطي» تطبيق نموذج مختلط، بحيث يقتصر دور الدولة على التنظيم والرقابة وتوفير الحوافز، بينما تتولى شركات إدارة أصول محترفة من القطاع الخاص إدارة الصناديق، موضحاً أن القطاع الخاص يمتلك خبرات أكبر في تعظيم العوائد وإدارة المخاطر، في حين تضمن الدولة الاستقرار وتعزّز الثقة في المنظومة.
وأضاف: «في حال ربط هذه الصناديق بشكل متكامل مع جهات تخصيص الأراضي وإصدار التراخيص، فإنها يمكن أن تتحول إلى أداة قوية لدعم الصناعة، أما إذا اقتصر دورها على التمويل فقط، فلن تحقّق الأثر المطلوب، لأن الصناعة تحتاج إلى حلول متكاملة تشمل التمويل والإجراءات معاً، مشيراً إلى أن الأولوية يجب أن تُمنح للصناعات التي تُسهم في تقليل الواردات وتعزيز الصادرات، لما لها من تأثير مباشر على دعم الاقتصاد وتحسين ميزان المدفوعات».
«الشرقاوي»: تعزيز دور مصر في التمويل والإدارة الاستثمارية الحديثة وزيادة معدلات التجارة البينيةبدوره، قال الدكتور يسري الشرقاوي، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة، إن الصندوق الاستثماري المزمع إنشاؤه في القارة الأفريقية سيُمهد الطريق لتعزيز دور مصر في التمويل والإدارة الاستثمارية الحديثة، وزيادة معدلات التجارة البينية بين مصر ودول القارة بنسبة تتراوح بين 5% و10% سنويّاً، ورفع معدلات الأمن الغذائي لمصر من السلع الأساسية، مثل اللحوم والأرز والمحاصيل الزيتية والسكرية، بنسبة لا تقل عن 35%، وفقاً لبعض الدراسات، خلال فترة تتراوح بين 4 و5 سنوات من التأسيس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك