مركز الإيرادات غير النفطية يقود التحوّل إلى التنوعيشكل تنظيم مركز الإيرادات غير النفطية خطوة نوعية في مسار التطوير الاقتصادي والمالي الذي تشهده المملكة العربية السعودية، في ظل ما تحقق من تحولات واسعة منذ إطلاق رؤية المملكة 2030، الهادفة إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام، لا يعتمد على النفط كمصدر رئيس للدخل، بل يستثمر في كفاءة الإدارة المالية، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، وتعظيم العوائد من الموارد الحكومية.
ويأتي التنظيم الجديد ليمنح المركز دورًا محوريًا في دعم تحقيق مستهدفات الإيرادات غير النفطية، من خلال تطبيق مبادرات ونماذج ومنهجيات وأدوات موحدة وملزمة للجهات الحكومية، وتحسين وتطوير إجراءات تحصيل إيرادات تلك الجهات، وهي المهام التي يبرزها التعريف الرسمي للمركز في المنصة الوطنية الموحدة.
ويمثل المركز، في ضوء تنظيمه، ذراعًا مؤسسية متخصصة لتطوير منظومة الإيرادات الحكومية، عبر ربط السياسات المالية بالتنفيذ العملي، وتوحيد الإجراءات بين الجهات الحكومية، بما يعزز كفاءة التحصيل، ويرفع جودة القرار المالي، ويضمن أن تكون الرسوم والمقابلات المالية والضرائب مبنية على دراسات دقيقة تراعي الأثر الاقتصادي والتنموي.
ويكتسب التنظيم أهميته من كونه يأتي في مرحلة أثبتت فيها المملكة تقدمًا ملموسًا في تنويع مصادر الدخل، إذ بلغت الإيرادات غير النفطية في عام 2024 نحو 502.
5 مليار ريال، مقارنة بـ457.
7 مليار ريال في عام 2023، بارتفاع نسبته 10%، بما يعكس تنامي مساهمة الإيرادات غير النفطية في دعم الميزانية العامة للدولة.
ويعكس هذا الأداء نجاح مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تبنتها المملكة، ضمن رؤية 2030، حيث لم يعد تنويع الإيرادات هدفًا ماليًا فحسب، بل أصبح ركيزة من ركائز الاستدامة الاقتصادية، وممكنًا رئيسًا لرفع كفاءة الخدمات، وتحسين جودة الإنفاق، وتعزيز قدرة الدولة على تمويل المشاريع التنموية الكبرى.
وينص التنظيم على تمتع مركز الإيرادات غير النفطية بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وارتباطه بوزير المالية، واتخاذ مدينة الرياض مقرًا رئيسًا له، بما يمنحه المرونة اللازمة لممارسة اختصاصاته، وفي الوقت ذاته يجعله جزءًا من منظومة صنع القرار المالي في الدولة.
ويهدف المركز إلى دعم تحقيق مستهدفات الإيرادات غير النفطية، ويتولى كل ما يتصل بذلك، بما يحقق التوازن الاقتصادي والاستدامة المالية، من خلال تطبيق مبادرات ونماذج ومنهجيات وأدوات موحدة للجهات الحكومية، مع مراعاة الأهداف التنموية الأخرى المرتبطة بالسياسات والأنظمة والإجراءات.
وتبرز المادة الرابعة من التنظيم بوصفها جوهر النظام ومحركه التنفيذي، إذ تحدد بصورة واضحة اختصاصات المركز وأدوات عمله، وتضعه في موقع متقدم داخل دورة صناعة الإيرادات الحكومية، من مرحلة الفكرة والدراسة، إلى مرحلة التطبيق والمتابعة والتقييم.
فقد منحت المادة الرابعة المركز صلاحية اقتراح مشروعات الأنظمة واللوائح ذات الصلة بمجالات اختصاصه، واقتراح تعديل النافذ منها، بالتنسيق مع وزارة المالية، والرفع عن ذلك وفق الإجراءات النظامية المتبعة، بما يجعل المركز شريكًا رئيسًا في تطوير البيئة النظامية للإيرادات غير النفطية.
كما جعلت المادة الرابعة المركز جهة مراجعة ودراسة لأي طلب يتعلق بفرض أو تعديل أو إلغاء رسوم أو مقابلات مالية، والرفع بشأنه وفق الإجراءات النظامية، الأمر الذي يعزز الانضباط في فرض الرسوم، ويحد من التباين بين الجهات، ويضمن أن تكون القرارات المالية مبنية على منهجية موحدة تراعي مصلحة الاقتصاد الوطني والأفراد والقطاع الخاص.
ويمتد دور المركز إلى دعم الجهات الحكومية في دراسة أي مقترح لفرض الضرائب قبل استكمال الإجراءات النظامية، وهي خطوة تعكس حرص المملكة على أن تكون السياسات الضريبية خاضعة للتحليل والدراسة وقياس الأثر، بما يوازن بين تنمية الإيرادات وتحفيز النمو الاقتصادي.
تتضمن المادة الرابعة أيضًا تقديم المقترحات الهادفة إلى رفع كفاءة تحصيل الإيرادات، واستكمال ما يلزم في شأنها، وهو ما ينقل مفهوم الإيرادات من مجرد التحصيل التقليدي إلى إدارة شاملة لدورة الإيراد، تشمل التصميم، والتحليل، والتنفيذ، والقياس، والتطوير المستمر.
ومن أبرز ما تضمنته المادة الرابعة كذلك دعم الجهات الحكومية في مراحل دراسة وتقييم وتوقيع وتجديد العقود التي يترتب عليها تحصيل مقابل مالي نظير تقديم الخدمات، بما يعزز تعظيم العائد من العقود الحكومية، ويرفع كفاءة استغلال الموارد، ويضمن أن تكون العقود ذات الأثر المالي متوافقة مع أفضل الممارسات.
ويؤسس التنظيم لقاعدة بيانات متكاملة للإيرادات، من خلال إلزام الجهات الحكومية بتزويد المركز بالبيانات والمعلومات المرتبطة بالرسوم والأجور والمقابل المالي والإيرادات، إلى جانب تقديم تقارير سنوية تفصيلية، بما يتيح رؤية شاملة لمصادر الدخل، ويدعم اتخاذ القرار على أسس دقيقة.
ويتولى المركز، وفق التنظيم، متابعة ومراجعة المبادرات والبرامج المعتمدة ذات الصلة بالإيرادات غير النفطية، واقتراح التعديلات اللازمة لضمان استدامتها وتحقيق مستهدفاتها، إضافة إلى إعداد تقارير دورية تقارن النتائج المحققة بالأهداف والتوقعات، وتحلل كفاءة التحصيل لدى الجهات الحكومية.
ويمنح التنظيم المركز دورًا مهمًا في وضع السياسات والخطط والمعايير والأدلة والمنهجيات المرتبطة باختصاصاته، ومتابعة تطبيقها بعد اعتمادها، بما يعزز توحيد الإجراءات الحكومية، ويخفض التباين، ويرفع مستوى التنسيق بين الجهات.
كما يشارك المركز في دراسة السياسات والاستراتيجيات الحكومية ذات التأثير على الإيرادات غير النفطية، بما يجعله حاضرًا في مرحلة مبكرة من صنع القرار، لا بوصفه جهة تحصيل فحسب، بل جهة تحليل وتخطيط وتطوير.
ويشمل دوره كذلك تقييم فرص استغلال الأصول الحكومية بما يحقق عوائد مالية إضافية، وتقديم الدعم الفني للجهات الحكومية في تطوير أو تعديل سياساتها ذات الأثر على الإيرادات، وهو توجه ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعظيم الاستفادة من الأصول والموارد الوطنية.
وفي جانب الحوكمة، ينص التنظيم على تشكيل مجلس إدارة للمركز برئاسة وزير المالية، وعضوية عدد من المسؤولين، من بينهم وزير الاقتصاد والتخطيط، وأمين اللجنة الاستراتيجية بمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وأمين اللجنة المالية بالديوان الملكي، والرئيس التنفيذي للمركز، بما يعكس الطابع الاستراتيجي للمركز وارتباطه المباشر بالسياسات الاقتصادية العليا.
ويتولى مجلس الإدارة الإشراف على شؤون المركز، وإقرار السياسات والخطط، واعتماد اللوائح المالية والإدارية، وإقرار الميزانية السنوية والحساب الختامي والتقارير الدورية، إلى جانب الموافقة على الاتفاقيات والعقود، وتشكيل اللجان، وطلب البيانات من الجهات الحكومية، وإنشاء الفروع أو المكاتب عند الحاجة.
وأتاح التنظيم للمجلس آليات عمل مرنة، تشمل عقد الاجتماعات الدورية، والتصويت عن بعد باستخدام الوسائل التقنية، واتخاذ القرارات بالتمرير، مع توثيق المداولات في محاضر رسمية باللغة العربية، بما يعزز سرعة القرار وكفاءة الإدارة.
وعلى المستوى التنفيذي، يتولى إدارة المركز رئيس تنفيذي يعين بقرار من مجلس الإدارة، وتناط به مسؤولية تنفيذ السياسات والخطط، وإدارة العمليات اليومية، وإعداد الاستراتيجيات، واقتراح الهيكل التنظيمي واللوائح، والإشراف على إعداد الميزانية والتقارير، وتمثيل المركز أمام الجهات الحكومية والقضائية.
ويحدد التنظيم موارد المركز المالية، بما في ذلك الاعتمادات المخصصة له في الميزانية العامة للدولة، والهبات والتبرعات والمنح وريع الأوقاف، وأي موارد أخرى يقرها مجلس الإدارة بما لا يتعارض مع الأنظمة، كما يؤكد إيداع الإيرادات عبر القنوات الرسمية في حساب الخزينة الموحد لدى البنك المركزي السعودي.
وتعزز هذه الأحكام مبادئ الشفافية والانضباط المالي، من خلال ميزانية مستقلة، وحساب ختامي، ومراجع حسابات خارجي، ومراقب مالي داخلي، ورفع تقارير سنوية إلى رئيس مجلس الوزراء تتضمن الإنجازات والتحديات ومقترحات تطوير الأداء.
ويأتي تنظيم مركز الإيرادات غير النفطية في سياق مرحلة اقتصادية متقدمة تعيشها المملكة، انتقلت فيها من الاعتماد الأحادي على النفط إلى بناء اقتصاد متنوع تتكامل فيه الإيرادات الحكومية مع نمو القطاعات غير النفطية، وتطور الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق العام.
وبذلك، يمثل المركز ركيزة مؤسسية مهمة لدعم الاستدامة المالية، وتعزيز كفاءة الموارد الحكومية، وترسيخ مبدأ أن تنمية الإيرادات غير النفطية ليست مجرد زيادة في الأرقام، بل منظومة متكاملة من الحوكمة والتخطيط والشفافية ورفع جودة الخدمات.
ويؤكد التنظيم أن المملكة تمضي بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، من خلال بناء اقتصاد أكثر مرونة وتنوعًا واستدامة، قادر على تحويل الموارد والإمكانات إلى فرص تنموية، وتعزيز مكانة المملكة كقوة اقتصادية رائدة إقليميًا ودوليًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك