ولد السعدني في 20 نوفمبر 1927 بمحافظة المنوفية، قبل أن ينتقل إلى" حارة سمكة" بالجيزة، حيث تشكل وعيه الأول وسط بيئة شعبية ثرية بالتفاصيل، وهو الشقيق الأكبر للفنان صلاح السعدني، لم تكن طفولته عادية؛ فقد عرفت مبكرا شغف الحكي وروح المشاكسة؛ وفي مسارح الهواة البسيطة مثل" مسرح عبده بكر"، وبين جلسات الأصدقاء ومباريات الكرة في الأراضي الفضاء، بدأت ملامح شخصيته الساخرة تتبلور، خاصة في صحبته للرسام طوغان، حيث كانت الضحكة وسيلتهما لفهم العالم.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تغيرت ملامح الشارع المصري، وامتلأ بالجنود الأجانب، ما ترك أثرا واضحا في وعي السعدني ورفاقه؛ ولم يكتف بالمشاهدة، بل عبر عن رفضه بطريقته الخاصة، من خلال رسوم ساخرة وكتابات بدائية في" صحف حائط" ابتكرها مع أصدقائه، لتصبح تلك المحاولات نواة أسلوبه لاحقا.
لم تكن المدارس وحدها مصدر التعلم، بل لعبت المقاهي الشعبية دورا محوريا في تشكيل شخصيته، وعلى رأسها" قهوة المعلم إبراهيم" في الجيزة، التي كانت ملتقى للناس من مختلف الفئات؛ وهناك تعرف على نماذج إنسانية متنوعة، من بينها ضابط إفريقي ترك أثرا عميقا في وجدانه، فاستلهم منه لاحقا أحد أعماله الأدبية.
في هذه الأجواء، اعتاد التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى حكايات، مستندا إلى ذاكرة حية وقدرة فريدة على الملاحظة، وهي المهارة التي أصبحت أساس كتاباته، ومع الوقت، لم يعد الاكتفاء بالمشاهدة كافيا، فبرزت لديه رغبة المشاركة والتأثير؛ وبنصيحة المقربين، اتجه إلى الصحافة، ليبدأ رحلة طويلة بين المجلات والصحف، حيث تعلم أصول المهنة خطوة بخطوة.
عمل في مجلات متواضعة، ثم في مجلة" الكشكول" التي أصدرها مأمون الشناوي، قبل أن ينتقل للعمل بالقطعة في عدد من الصحف، ما أكسبه خبرة عملية واسعة رغم صعوبة البدايات، حتى جاءت نقطة التحول مع قيام ثورة يوليو 1952، والتحق بجريدة" الجمهورية" التي كانت تمثل صوت المرحلة الجديدة؛ وبدأ اسمه يبرز ككاتب ساخر يمتلك نبرة مختلفة تجمع بين الجرأة وخفة الظل.
انتقل لاحقا إلى مجلة" روز اليوسف"، التي كانت واحدة من أهم المدارس الصحفية، وعمل بها خلال رئاسة إحسان عبد القدوس، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة" صباح الخير"، ليصل إلى موقع متقدم في المشهد الصحفي.
تميز السعدني بأسلوب خاص، لم يعتمد على البلاغة التقليدية، بل ابتكر لغة قريبة من الناس، تمزج بين الفصحى والعامية، وتصل مباشرة إلى القارئ؛ ولم تكن سخريته سطحية، بل كانت تحمل نقدا عميقا للأوضاع الاجتماعية والسياسية، ما جعله صوتا معبرا عن البسطاء، وكانت كتاباته أشبه بمرآة تعكس تفاصيل الحياة اليومية من المقهى إلى الشارع، ومن الحكايات الصغيرة إلى القضايا الكبرى.
شهدت مسيرته محطات خارجية متعددة، عمل خلالها في عدة دول عربية، قبل أن يستقر لفترة في لندن، ويصدر هناك مجلة" 23 يوليو"، التي لاقت صدى واسعا بين القراء العرب، ومع تغير الأوضاع، عاد إلى مصر في أوائل الثمانينيات، ليستأنف نشاطه الصحفي ويواصل الكتابة بروحه الساخرة المعهودة.
قدم السعدني عددا كبيرا من الأعمال التي تنوعت بين السيرة الذاتية والمقالات والرحلات، من أبرزها: " الولد الشقي" بأجزائه، و" ملاعيب الولد الشقي"، و" الطريق إلى زمش"، و" الموكوس في بلاد الفلوس"، و" مسافر على الرصيف"، و" أمريكا يا ويكا"، و" قهوة كتكوت"، كما قدم أعمالا مختلفة، مثل" ألحان السماء"، الذي تناول فيه عالم قراء القرآن مثل الشيخين محمد رفعت ومصطفى إسماعيل، في دلالة على اتساع اهتماماته وتنوع تجربته.
وفي عام 1990، أصدر كتاب" مصر من تاني" الذي يعد من أبرز ما كتب عن تاريخ مصر بأسلوب قصصي بسيط وممتع، بعيدا عن تعقيدات المراجع الأكاديمية، مسلطا الضوء على علاقة المصريين بحكامهم، ومبرزا تاريخ الشعب بدلا من تاريخ السلطة.
وعلى الصعيد الأسري، عاش محمود السعدني حياة هادئة بعيدا عن الأضواء؛ إذ تزوج في شبابه وأنجب أربعة أبناء، من بينهم الاعلامية هالة السعدني التي عملت في المجال الإعلامي وتزوجت من الفنان محمود البزاوي، والتي دفعته لكتابة مقاله الشهير" عبقري للبيع" لإصابتها بمرض شديد أقعدها عن المشي، ووجد نفسه عاجزا تماما عن تدبير نفقات علاجها، واستعرض فيه مواهبه وأن علاج ابنته عند طبيب يدعى" لانجي" في ميونخ بألمانيا، واستهل مقاله بسخرية مؤلمة قائلا: " يا بلاش.
أيا الناس فرصة عظيمة لا تدعوها تفلت من أيديكم، اقتناء عبقري في منازلكم، في حجرة النوم ينفع، في حجرة الصالون يصلح، في الأنتريه ما أحلاه، في الصالة كالزينة.
"، وجاء المقال بمثابة صرخة استغاثه أسهمت في علاجها حتى تماثلت الشفاء.
وظل السعدني حاضرا في المشهد الثقافي حتى سنواته الأخيرة، وأثناء احتلال العراق عام 2003 أصيب بحالة من الصدمة وعاش حالة من الصمت، ثم مرض مرضا شديدا وأصابته جلطات متتالية، فنصحه المقربون أن يسافر للخارج للعلاج، إلا أنه رفض قائلا: " عايز أموت في مصر"، ليبقى ويرحل عن عالمنا في 4 مايو 2010 عن عمر ناهز 82 عاما بعد رحلة حافلة بالكتابة والتجارب والمواقف.
ويظل محمود السعدني واحدا من أبرز من كتبوا للناس وعنهم، لا من برج عاجي، بل من قلب الشارع؛ ولم يكن مجرد كاتب ساخر، بل مؤرخ بطريقته الخاصة، سجل تفاصيل زمن كامل بضحكة ذكية لا تخلو من وجع؛ ومع مرور السنوات، لا تزال كلماته قادرة على الحياة، وكأن" الولد الشقي" لم يغادر المشهد أبدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك