اقتنع محفوظ بأن المقاومة بالحيلة تساعد على مجابهة الإذلال والحرمان والإهانات، عبر تطوير ثقافات مستورة، تعد بمستقبل أفضل، سواء كانت «حكمة» تُستخلص من التجارب الطويلة المضنية للانبطاح والنفاق البيروقراطي والاستلاب، مثل ما صوَّرته رواية «حضرة المحترم»، أو «أساطير» عن عصبة أو بطل فردي أو حلم بالعدل والخير، مثل ما حملته رواية «ليالي ألف ليلة»، أو «رؤية» في المذاهب والفلسفات والأيديولوجيات السائدة، مثل ما طرحته رواية «رحلة ابن فطومة»، أو محاولة لطرح قضية جدلية مهمة حول تلاقح الأفكار السياسية والفلسفية وامتزاجها، دون ادعاء بأن إحداها هي الأفضل أو الأنجع، مثل ما حوته رواية «قلب الليل»، أو عالماً موازياً يبحث المسحوقون فيه عن العدل، مثل ما تضمنته رواية «ملحمة الحرافيش».
لكن محفوظ حدَّد رؤيته السياسية بشكل أكثر جلاء على لسان أبطاله في العديد من رواياته، وفي مقدمتها «الكرنك»، «ثرثرة فوق النيل»، «ميرامار»، «اللص والكلاب»، «يوم قتل الزعيم»، «السمان والخريف»، «قشتمر»، «الباقي من الزمن ساعة»، وثلاثيته الشهيرة «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، أي أنه جعل رواياته ساحة لطرح أفكاره السياسية، ووصل في اعتماد هذا النهج إلى درجة مرتفعة، بحيث يمكن القول إن رواياته قد تخلو من أشياء كثيرة، لكنها لا تخلو قط من السياسة.
وتتلخص هذه الرؤية، كما طرحها محفوظ على لسان خالد صفوان، أحد أبطال رواية «الكرنك»، في:أولاً: الكفر بالاستبداد والديكتاتورية.
ثانياً: الكفر بالعنف الدموي.
ثالثاً: يجب أن يطرد التقدم معتمداً على قيم الحرية والرأي واحترام الإنسان، وهي كفيلة بتحقيقه.
رابعاً: العلم والمنهج العلمي هو ما يجب أن نتقبله من الحضارة الغربية دون مناقشة أما ما عداه فلا نسلم به إلا من خلال مناقشة الواقع، متحررين من أي قيد، قديم أو حديث.
إلى جانب ذلك كان لقضية الانتماء مكانة عالية في أدب محفوظ، لدرجة أنه تخصص فيها، أكثر من أي أديب عربي آخر.
وقد بدأت ملامح هذا الانتماء تتشكل في أدبه من خلال انفعاله وهو طفل بثورة 1919 ضد الاستعمار الإنجليزي، ثم موقفه من حزب الوفد الذي كان يقود النضال الوطني آنذاك، في بعض أعماله الروائية مثل «المرايا» و«حكايات حارتنا»، وكذلك إحدى قصص مجموعته «صباح الورد».
وعلى عكس الرمزية التي غلف بها محفوظ انتقاده للعهد الناصري في رواية «ثرثرة فوق النيل» جاءت رواية «الكرنك» لتنتقد هذا العهد بشكل مباشر، فأبطالها إسماعيل الشيخ وزينب دياب وغيرهما، هم شباب آمنوا بثورة يوليو، وكانوا يعتقدون أن العسكر على صواب مطلق، لكنهم استيقظوا على واقع أليم، حين مروا بتجربة قاسية بعد أن اتهمتهم السلطة، ظلماً، بأنهم من «أعداء الثورة».
وحين قابلوا رجلاً يمثل الوجه الكريه للثورة وهو خالد صفوان، الذي أمر بانتهاك عرض زينب، وجلد إسماعيل، وإجبارهما على أن يكونا عميلين للمباحث، يتجسسان على رفاقهما، خاصة حلمي حمادة الشيوعي، رغم أنهما لم يرتكبا شيئاً مخالفاً للقانون، فإسماعيل اعتُقل لمجرد أنه تبرَّع بقرش واحد لبناء مسجد تابع للإخوان المسلمين، وزينب قُبض عليها لأنها صديقته، وفي المرة الثانية اعتقلوهما بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي، وحلمي حمادة مات تحت وطأة التعذيب.
وتعرض الرواية مواقف نماذج مختلفة من البشر الذين يترددون على مقهى الكرنك من الثورة ومقارنتها بالعهد الذي سبقها، وتتطرَّر إلى عملية انتقاد الذات التي جرت عقب هزيمة 67، وكان من نتائجها التخلص من صفوان، ولذا انتهى به الحال إلى الكفر بالاستبداد، والإيمان بالحرية.
لكن محفوظ لم ينسَ أن يوضح، على لسان أبطاله، الجوانب الحميدة للثورة، ومنها الاهتمام بالعدل الاجتماعي والتعليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك