بين من يرى أن القراءة تتراجع أمام زحف الشاشات، ومن يعتقد أنها تعيد تشكيل نفسها في ظل الأدوات الجديدة، يبرز سؤال ملحّ: هل نحن أمام انحسار حقيقي للقراءة، أم أمام تحوّل في شكلها ووظيفتها في عصر الذكاء الاصطناعي؟ اضافة اعلانويبدو أن مؤشرات الواقع تميل حتى الآن إلى الاحتمال الأول، دون أن تُغلق الباب أمام الثاني، وهو أن تجد القراءة موقعها من جديد في عصر الذكاء الاصطناعي حين نُحسن تعريف علاقتنا بالمعرفة وأدواتها.
في زمن تتسارع فيه المعرفة وتتشابك فيه الوسائط، تبدو القراءة في العالم العربي وكأنها تتراجع إلى الهامش، لا بوصفها قيمة ثقافية فحسب، بل كعادة يومية تُهذّب الوعي وتُنمّي التفكير.
ما يلفت الانتباه اليوم ليس غياب الكتب، بل ضعف الإقبال عليها، وكأن القراءة لم تعد أولوية في حياة كثيرين، خصوصًا في ظل هيمنة الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تستهلك الوقت دون أن تقدّم بالضرورة معرفة حقيقية.
والمفارقة أننا نحمل في جيوبنا أكبر مكتبة عرفها التاريخ، ثم لا نفتحها إلا للتصفح العابر.
بحكم عيشي وتنقّلي المستمر بين الأردن والولايات المتحدة، لم يعد الفرق في علاقة الناس بالقراءة بالنسبة لي ملاحظة عابرة، بل تجربة أعيشها يوميًا.
في الولايات المتحدة، يتعلّم الأطفال منذ الصغر الالتزام بالقراءة، لا كواجب مدرسي فحسب، بل كجزء طبيعي من نمط الحياة.
في القطار، في المطار، في غرف الانتظار، وحتى في المقاهي، ترى الناس يقرأون بهدوء، من دون انشغال بما حولهم.
القراءة في الغرب بشكل عام ليست نشاطًا نخبويًا، بل سلوكا يوميا تمارسه مختلف الفئات العمرية.
في المقابل، كثيرًا ما أجد أن الوقت ذاته في الأردن يُستهلك أمام الشاشات، حيث يغلب التصفح السريع لمحتوى لا يترك أثرًا يُذكر.
حتى في المجالس، لم يعد غريبًا أن ينشغل الحضور بهواتفهم على حساب النقاش والحديث المباشر.
لا أطرح هذه المقارنة بوصفها انتقادًا، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا: ماذا نفعل بوقتنا حين تتاح لنا لحظة فراغ؟ولا يقتصر هذا الفرق على السلوك اليومي، بل يمتد إلى طبيعة النقاش نفسه.
ففي كثير من الحوارات في عالمنا العربي، نلمس أحيانًا ميلًا إلى الاكتفاء بالرأي دون الاستناد إلى قراءة أو معرفة متراكمة.
في المقابل، أدهشني في الولايات المتحدة عمق معرفة أشخاص عاديين في مواقف غير متوقعة.
أذكر أنني كنت في أحد المتاجر، ودخلت في حديث عابر مع سيدة، وما إن عرفت أنني عربي حتى بادرت بالحديث عن رواية" النبي" لجبران خليل جبران، وناقشت أفكارها بثقة واطلاع.
لم يكن ذلك مجرد معرفة سطحية، بل قراءة حقيقية تركت أثرها.
مثل هذه اللحظات تكشف كيف تتحول القراءة حين تترسخ إلى لغة مشتركة يتحدث بها المجتمع بأسره.
من هنا تتضح أهمية القراءة، ليس بوصفها مصدرًا للمعلومات فحسب، بل بوصفها الأساس الذي يمنح النقاش عمقه ومعناه.
فهي تُعلّمنا كيف نفكّر، وكيف نراجع ما نعدّه بديهيًا.
فالأعمال الأدبية والثقافية، من روايات ومسرحيات وأفلام، قادرة على فتح نقاش حول قضايا مسكوت عنها في سياقنا الأردني مثل الضغط المرتبط بالمظاهر أو بعض أشكال التمييز غير المعلنة، أو ما يُعرف بثقافة" العيب".
حين نقرأ، لا نكتفي بحكاية تُروى، بل نعيد النظر فيما نعتقده عن أنفسنا.
فعند قراءة رواية" حرب الكلب الثانية" لإبراهيم نصر الله، لا نكون أمام عالم خيالي بقدر ما نواجه أسئلة حقيقية عن الإنسان والسلطة.
وكذلك في رواية" بابنوس" لسميحة خريس حيث ينفتح السرد على أسئلة الهوية والانتماء من خلال عالم إنساني يتقاطع فيه الهامش مع المركز وتكشف فيها هشاشة الإنسان أمام التحولات الاجتماعية والسياسية.
هناك، لا تُروى الحكاية بوصفها حدثًا معزولًا، بل تتحول إلى مساحة للتأمل في معنى الانتماء والتهميش، وكيف تُشكّل الظروف القاسية وعي الأفراد ومصائرهم داخل مجتمع مضطرب.
هذه التجارب لا يمكن تعويضها بتصفح سريع أو محتوى عابر.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل حضور الذكاء الاصطناعي الذي أصبح جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية.
لكن السؤال لم يعد، هل نستخدمه أم لا؟ بل كيف نستخدمه.
فكما تُستخدم هذه الأدوات لتوليد محتوى سريع وسطحي، يمكن استخدامها أيضًا لبناء مسار معرفي حقيقي.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح لك كتابًا يناسب اهتماماتك، أو يشرح فكرة معقدة، أو يقدّم مدخلًا لرواية لم تكن لتفكر بها.
وهو بذلك لا يختصر المعرفة، بل يفتح لها أبوابًا جديدة.
غير أن هذه الفرصة تحمل في طياتها خطرًا موازيًا، إذ إن الذكاء الاصطناعي ينافس الكتاب على انتباه القارئ ذاته.
وإذا تُرك الاستخدام بلا وعي، فإنه يعمّق ثقافة الاستهلاك السريع بدلًا من أن يعزّز الفهم.
لكن حين يُستخدم بوعي، يمكن أن يتحول إلى حليف للقراءة لا بديلًا عنها.
هو لا يقدّم التجربة بل يشير إليها، ولا يمنح العمق بل يدلّ عليه.
وبمعنى آخر، يمكنه أن يقودك إلى الكتاب، لكنه لا يستطيع أن يقرأ عنك.
ومن اللافت أن بعض الدول بدأت تعيد النظر في علاقتها مع التكنولوجيا في التعليم.
ففي عام 2023، اتجهت السويد إلى تعزيز مهارات القراءة والكتابة في المراحل المبكرة، وأعادت التركيز على الكتب الورقية والكتابة اليدوية، مع تقليل الاعتماد على الشاشات داخل المدارس.
هذه الخطوة لم تكن رفضًا للتكنولوجيا، بل إعادة توازن.
وما نحتاجه ليس الاختيار بين الكتاب والشاشة، بل معرفة متى نستخدم كلًّا منهما ولأي غاية.
القراءة ليست نشاطًا إضافيًا في حياتنا، بل هي ما يشكّل وعينا على المدى الطويل.
ولذلك لم يكن عبثًا أن تكون أول كلمة في الوحي الإسلامي" اقرأ" في إشارة واضحة إلى أن المعرفة ليست ترفًا، بل أساس أي نهضة.
إعادة الاعتبار للقراءة لا تبدأ بمشاريع كبرى، بل بعادة صغيرة: كتاب يُفتح، وصفحات تُقرأ، وفضول يُغذّى.
وما بين التراجع الذي نلمسه في ممارساتنا اليومية، والتحوّل الذي تتيحه أدوات مثل الذكاء الاصطناعي، يتحدد مستقبل القراءة.
فالأدوات موجودة، والخيارات أكثر من أي وقت مضى، لكن التحول الحقيقي لا يبدأ من الأدوات، بل من قرار بسيط: أن نقرأ، وأن نستخدم ما بين أيدينا لنصل إلى المعرفة، لا لنستبدلها.
*باحث في الأدب المقارن والدراسات الثقافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك