جرش- تسببت الرياح القوية المرافقة للأحوال الجوية بتساقط كميات من ثمار الكرز قبل موعد قطافها في محافظة جرش، ما أدى إلى تسجيل خسائر أولية لدى عدد من المزارعين، خاصة في المناطق المرتفعة التي تعتمد على هذا المحصول كمصدر دخل موسمي، بينما يأتي ذلك في مرحلة حساسة من نمو الثمار، حيث تكون قريبة من النضج وأكثر عرضة للتأثر بالعوامل الجوية.
اضافة اعلانويعد موسم الكرز من المواسم الزراعية القصيرة نسبيا، إذ يعتمد على فترة زمنية محدودة بين اكتمال النضج وبدء القطاف، وفي هذه المرحلة تكون الثمار أكثر عرضة للتساقط نتيجة الرياح، بسبب زيادة وزنها واقترابها من مرحلة النضج الكامل.
وتعد الفترة التي تسبق القطاف مباشرة من أهم المراحل في دورة إنتاج الكرز، إذ تصل الثمار خلالها إلى الحجم النهائي وتبدأ باكتساب اللون والنكهة، ما يرفع من قيمتها التسويقية بشكل كبير، إلا أن هذه المرحلة تعد أيضا الأكثر هشاشة، حيث تكون الثمار ممتلئة بالعصارة وذات وزن أعلى، ما يزيد من احتمالية انفصالها عن الأغصان عند التعرض لهبات رياح قوية.
بهذا الخصوص، يؤكد مزارعون أن أي اضطراب جوي خلال هذه الفترة، حتى لو كان لفترة قصيرة، قد يؤدي إلى خسارة جزء من المحصول، وهو ما حدث بالفعل خلال المنخفض الأخير، حيث سجل تساقط ملحوظ للثمار في عدد من المزارع.
وقالوا إن حجم الخسائر اختلف من منطقة إلى أخرى داخل المحافظة، حيث كانت المزارع الواقعة في مناطق مكشوفة أو على ارتفاعات أعلى أكثر عرضة لتأثير الرياح، مقارنة بالمزارع المحمية نسبيا بطبيعة التضاريس أو الأشجار المحيطة.
وأضافوا أن الخسائر لا تقتصر على كمية الثمار المتساقطة فقط، بل تمتد لتشمل جودتها وقيمتها التسويقية، فالكرز الذي يسقط على الأرض غالبا ما يتعرض للتلف، ولا يمكن تسويقه كمنتج طازج، ما يقلل من فرص بيعه بأسعار مناسبة، لا سيما أن أسعار ثمار الكرز من أغلى الثمار، ولا يقل سعر الكيلو حاليا عن 3 دنانير.
وبحسب المزارع خالد عضيبات، فإن هذه الخسائر تأتي في توقيت حرج، حيث ترتفع القيمة السوقية للثمار مع اقتراب موسم القطاف، ما يعني أن فقدان جزء من المحصول في هذه المرحلة يؤثر بشكل مباشر على دخل المزارع.
وقال إن ثمار الكرز تصنف ضمن المحاصيل الزراعية الحساسة للعوامل الجوية، خصوصا الرياح القوية خلال فترة ما قبل القطاف، ففي هذه المرحلة تكون الثمار مكتملة النمو نسبيا، ما يزيد من احتمالية انفصالها عن الأغصان عند تعرضها لهبات قوية، كما أن غياب وسائل الحماية، مثل مصدات الرياح الطبيعية أو الصناعية، يزيد من حجم التأثر، خاصة في المزارع المكشوفة أو الواقعة في مناطق مرتفعة.
من جهته، يؤكد المهندس الزراعي والخبير هاني البكار، أن محافظة جرش تعد من المناطق المناسبة لزراعة الكرز، نظرا لارتفاعها عن سطح البحر واعتدال مناخها، وتنتشر زراعة الكرز ضمن مزارع صغيرة ومتوسطة، إلى جانب محاصيل فاكهة أخرى.
وأضاف أن البيانات الزراعية الرسمية تشير إلى وجود أعداد ملحوظة من الأشجار المثمرة ضمن المحافظة، بما فيها الكرز، حيث يشكل هذا المحصول جزءا من النشاط الزراعي المحلي ومصدرا موسميا للدخل.
وبين البكار أنه على مستوى الإنتاجية، تتراوح معدلات إنتاج الكرز عالميا بين 4 و10 أطنان للهكتار، وهي أرقام تختلف محليا بحسب نوع الصنف ومستوى العناية الزراعية.
كما أكد أن مزارعي الكرز يواجهون تحديات متعددة، من بينها ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، مثل الأسمدة والري والعمالة، إلى جانب تقلبات الأسعار في السوق، ومع تأثر المحصول بالعوامل الجوية تتضاعف هذه التحديات، حيث يصبح العائد غير مستقر.
وأوضح البكار أن أهم الإجراءات الاحتياطية لحماية أشجار الكرز هي إنشاء مصدات رياح باستخدام الأشجار أو الشبك الزراعي، وتحسين أساليب التقليم لتقليل الضغط على الأغصان، واعتماد ممارسات زراعية تعزز من تماسك الثمار، إلا أن تطبيق هذه الإجراءات يتطلب كلفة إضافية ومعرفة فنية، ما يشكل تحديا للمزارعين، خاصة أصحاب الحيازات الصغيرة.
وفي ظل تكرار مثل هذه الظواهر الجوية، يبرز الحديث عن أهمية تطوير أدوات إدارة المخاطر في القطاع الزراعي، مثل التأمين الزراعي، وتوسيع خدمات الإرشاد، وتقديم الدعم الفني والمالي للمزارعين، كما يشير مختصون إلى ضرورة ربط التحذيرات الجوية بتوصيات زراعية واضحة تمكن المزارعين من اتخاذ إجراءات استباقية تحد من الخسائر.
وهذا التفاوت يسلط الضوء على أهمية العوامل الجغرافية في تحديد مستوى المخاطر، ويطرح تساؤلات حول مدى اعتماد المزارعين على وسائل حماية مناسبة، مثل مصدات الرياح أو التخطيط الزراعي الذي يراعي اتجاهات الرياح السائدة.
بدوره، قال المزارع عيسى العياصرة إن الكرز لا يعد من المحاصيل واسعة الانتشار مقارنة بمحاصيل أخرى، إلا أنه يحتل مكانة خاصة ضمن الزراعات النوعية في جرش، حيث توفر الظروف المناخية والارتفاعات المناسبة بيئة ملائمة لإنتاج ثمار ذات جودة عالية، إذ تنتشر زراعة الكرز في مزارع صغيرة ومتوسطة يعتمد عليها عدد من الأسر كمصدر دخل موسمي، وهذا الطابع المحدود للإنتاج يجعل أي خسارة، حتى لو كانت جزئية، ذات أثر واضح على دخل المزارعين.
كما أن الكرز يعد من المحاصيل التي تحتاج إلى عناية خاصة طوال الموسم، من حيث الري والتسميد ومكافحة الآفات، ما يعني أن الخسارة في نهاية الموسم تمثل ضياعا لجهد وتكاليف امتدت لأشهر عدة.
وأضاف: " لا تقتصر تداعيات تساقط الكرز على المزارعين فقط، بل تمتد لتشمل السوق المحلية وسلسلة التوريد المرتبطة بهذا المحصول، فالتراجع في الكميات المعروضة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، خاصة في بداية الموسم، حيث يكون الطلب مرتفعا، إلا أن هذا الارتفاع في الأسعار لا يعوض دائما خسائر المزارعين، خصوصا إذا كانت نسبة كبيرة من المحصول قد فقدت قبل الوصول إلى السوق، كما أن تقلب الأسعار قد يؤثر على استقرار السوق، ويحد من قدرة المستهلكين على الحصول على المنتج".
بدوره، يرى تاجر الفواكه في جرش عبد المحسن العمور أن ما حدث لا يمكن فصله عن التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة، حيث أصبحت الظواهر الجوية أكثر تقلبا، سواء من حيث شدة الرياح أو توقيتها، وهذه التغيرات تضع القطاع الزراعي أمام تحديات متزايدة، خاصة في المحاصيل الحساسة مثل الكرز، التي تعتمد على استقرار نسبي في الظروف الجوية خلال مراحل معينة من نموها.
ويشير العمور إلى أن تكرار مثل هذه الحالات، خلال السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة النظر في أساليب الزراعة التقليدية، والبحث عن حلول تقلل من أثر المخاطر المناخية، رغم وجود حلول فنية للتقليل من تأثير الرياح، مثل إنشاء مصدات رياح طبيعية أو استخدام شبك زراعي، إلا أن تطبيق هذه الإجراءات ما يزال محدودا، خاصة لدى المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة، من بينها الكلفة المالية، ونقص المعرفة الفنية، إضافة إلى غياب الدعم الكافي لتشجيع استخدام هذه الوسائل.
ويؤكد المزارعون أنه في هذه الظروف الخاصة يبرز دور الإرشاد الزراعي كعنصر أساسي في مساعدة المزارعين على التعامل مع مثل هذه الظروف، من خلال تقديم توجيهات عملية حول أفضل الممارسات الزراعية وسبل الحماية من المخاطر.
إلا أن فاعلية هذا الدور تعتمد على مدى وصول الإرشادات إلى المزارعين في الوقت المناسب، وقدرتهم على تطبيقها على أرض الواقع، إلى جانب تعزيز قنوات التواصل بين الجهات المعنية والمزارعين، وربط التحذيرات الجوية بتوصيات زراعية واضحة يمكن أن يسهم في تقليل حجم الخسائر مستقبلا.
من جانبه، قال المهندس بهجت السوالمة، مدير مشاتل فيصل الزراعية، إن الرياح القوية والتغيرات الجوية في آخر المنخفضات الجوية تسببت في تساقط ثمار الكرز قبل موعد قطافها بأيام، وهذا من شأنه أن يلحق خسائر بالمزارعين، لا سيما أن كميات الكرز المتوفرة محدودة، وتتركز في القرى والبلدات المرتفعة، وأسعارها مرتفعة، مما يجعل خسارة الثمار مباشرة للمزارعين.
وقال السوالمة إن المناطق المرتفعة في جرش، مثل سوف وساكب وثغرة عصفور، فيها حيازات من أشجار الكرز، وهي ناجحة وتتميز بجودة ونوعية الثمار، إلا أن الرياح القوية والأمطار تسببت في تساقط الثمار بكميات متفاوتة حسب المناطق والحالة الجوية فيها، وهذه الخسائر سببها التقلبات الجوية، ولا يمكن الحماية منها أو التخفيف من آثارها على المدى القريب.
وحاولت" الغد" الاتصال بمدير زراعة جرش الدكتورة علا المحاسنة، للحصول على توضيحات، لكن دون رد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك