رغم توفر عوامل الأمن والأمان، ورغم وحدة الصف خلف القيادة الحكيمة والحكومة الرشيدة، بل ورغم الإجراءات الريادية للدولة التي وفرت من خلالها حزمة “الأمل” لمختلف مؤسسات القطاع الخاص، إلا أن وثبة الاقتصاد تحتاج دائمًا لمرآة عاكسة، لسوق أوراق مالية نشطة، لإفصاح عن الأوضاع الحقيقية للشركات المساهمة العامة المسجلة في سوق الأوراق المالية، وبصرف النظر عن أنظمة التداول والمقاصة “التسويات” التي تتبعها السوق، وبعيدًا عن المناخ المفعم بالضمانات والثقة في إتمام صفقات بيع وشراء الأسهم على أكمل وجه وعلى خير ما يُرام، فإن آليات الإفصاح ونوعية الأسواق المتداولة في السوق مازالت على المحك.
صحيح أن الضبط والربط والاحتراز من الأزمات، والتحوط من استغلال المغامرين للأحوال الإقليمية المضطربة، ولحالة الحرب أو اللاسلم، أو اللاسلم واللاحرب، جزئيًا أو كليًا، سنجد أن هناك من يستخدم الظرف المضطرب لتحقيق أرباح تؤدي إلى ظهور طبقة من “أثرياء الحرب”، وأخرى من “فقراء الظرف”، أما أثرياء الحرب فمعظمهم من يمتلك السيولة والدخول إلى السوق من ربع فرصة عن طريق ضخ كميات ضخمة من الأموال لشراء كميات أضخم من الأسهم”الواعدة”، هذا الوضع أدى إلى ظهور ثلاثة أنواع من الأموال المتداولة في سوق الأوراق المالية:الأول: الأموال المسماء بـ “المتحفظ عليها”، أي التي تخضع لاستحواذ أصحابها عليها، وعدم الرغبة في إتمام صفقات عليها، لا بيعًا ولا شراءً، الأمر الذي يبطئ من حركة المتاجرة بالأسهم، ويزيد من السُبات العميق الذي يخيم على السوق المالية، ما يؤدي إلى إحداث تراجعات طفيفة في أسعار الأسهم يعتمد معظمها على الأرباح الدفترية المتحققة وهي عادةً ما تكون أرباحًا بسيطة قياسًا بتلك المتحققة من عمليات البيع والشراء في السوق.
الثاني: الأموال المنتظمة، أي التي يتم ضخها في السوق إما بهدف المشاركة في عمليات سحب الأرباح فور حدوث ارتفاع في أسعار الأسهم، أو بعد الإعلان عن النتائج المالية الإيجابية الربعية أو النصفية أو السنوية مباشرة.
الثالث: الأموال الساخنة، وهي التي تدخل إلى السوق بسرعة وتخرج منه بسرعة من خلال المضاربين أو المغامرين أو المقامرين الذين يضخون كميات كبيرة من الأسهم في السوق، بعد إطلاق شائعات بتحقيق سهم معين أو مجموعة من الأسهم لأرباح فارقة؛ نظرًا لظرف بعينه أو نتيجة لوضع اقتصادي مؤثر.
هذه العملية ينشأ عنها عملية بيع مفاجئة للسوق تؤدي بعد ذلك إلى انخفاض أسعار الأسهم التي تتم المضاربة عليها، وبالتالي فإن الأموال الساخنة التي دخلت إلى السوق فجأة، غيرها خرجت من السوق بسرعة وبصورة مفاجئة أيضًا.
ورغم الإجراءات الحكومية التي تم اتخاذها ضمن “حزمة الأمل”، فإن السوق قد وضعت ضمن محافظ التحوط التي في حوزتها نظامًا لتحديد الحدين الأقصى والأدنى لتحركات أسعار أسهم الشركات المساهمة العامة بصورة يومية، خصوصا بفترات الطوارئ والأزمات والكوارث الطبيعية أو الحروب المفاجئة.
(اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني)ويبدو أن هذا النظام المعمول به قد أدى إلى التقليل قدر الإمكان من تحركات أسعار الأسهم خلال حرب الأسابيع الخمسة التي دارت رحاها في المنطقة منذ الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، والتي لم ينتج عنها تراجعات كبيرة في المؤشر العام للسوق، والذي لم يفقد من قوته أكثر من 300 نقطة وربما أقل، أي ما يقرب من 2100 نقطة إلى نحو 1890 نقطة، قبل أن يعود إلى الصعود حاليًا لحدود 1980 نقطة ليقترب مجددًا من حاجز الألفين نقطة.
هذا العامل المقرون دائمًا بالنشاط الاقتصادي العام، وبمعدل الاستثمار وفقًا لأسعار الفائدة، وأوضاع الذهب والفضة، وحالة الصندوق السيادي، وطبيعة مكونات أسهمه، حيث مازال البعض منها قيد الإدراج “المقفل” البعيد كل البعد عن التداول في البورصة؛ نظرًا لعدم الرغبة في بيع أسهم بعض الشركات المساهمة المقفلة إلى القطاع الخاص، خصوصا شركات النفط وطيران الخليج والبتروكيماويات، والعديد من الشركات العائلية الكبرى التي مازالت ملكيتها تعود إلى مؤسسيها الأصليين فقط، على اعتبار أنها مازالت شركات قوية وتدر للميزانية العامة لأصحابها عائدات استراتيجية.
سوق البحرين للأوراق المالية يمكنها من خلال الطرح العام لبعض الشركات الاستراتيجية أن تتحول إلى سوق نشطة للمتاجرة بالأسهم بدلاً من بقائها ضمن منظومة التحفظ والمتحفظ عليها من أسهم ما زالت، على حد قول أحد السماسرة المخضرمين، تحمل اسم “ليست للبيع”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك