يظل المتحف المصري بالتحرير واحدًا من أبرز الصروح الثقافية في العالم، ليس فقط لما يضمه من كنوز أثرية نادرة، بل لما يمثله من ذاكرة حية تسرد تفاصيل الحضارة المصرية القديمة عبر آلاف السنين.
فمنذ افتتاحه مطلع القرن العشرين، تحول المتحف إلى مقصد رئيسي للباحثين والسياح وعشّاق التاريخ، حيث يحتضن أكبر مجموعة من الآثار الفرعونية في موقع واحد، بما في ذلك مقتنيات الملوك والنخبة وكبار رجال الدولة في مصر القديمة.
وفي قلب العاصمة القاهرة، يقف المتحف شاهدًا على تطور علم المصريات، ومرآة تعكس جهود الدولة المصرية في الحفاظ على تراثها الإنساني وصونه للأجيال المقبلة.
ومع التحولات التي يشهدها قطاع السياحة والآثار، خاصة مع افتتاح مشروعات كبرى مثل المتحف المصري الكبير، تتجدد أهمية المتحف المصري بالتحرير كرمز تاريخي أصيل، يحمل قيمة علمية وثقافية لا يمكن تعويضها، ويواصل أداء دوره كمحور رئيسي في سرد الحكاية المصرية للعالم.
وعبر السطور التالية نستعرض أهم وأبرز المعلومات عن تمثال الملكة" نفرت" زوجة الملك سنوسرت الثاني.
تمثال الملكة نفرت يجسد عظمة الدولة الوسطىداخل أروقة المتحف المصري بالتحرير، وتحديدًا في قاعات الطابق الأرضي، يستقر واحد من أبدع شواهد عصر الدولة الوسطى؛ تمثال الملكة" نفرت" زوجة الملك سنوسرت الثاني، في عمل فني يجمع بين الدقة الجمالية والرمزية الملكية التي ميزت الفن المصري القديم.
تحفة من الأسرة الثانية عشرةيعود هذا الأثر الفريد إلى الأسرة الثانية عشرة، خلال الفترة ما بين 1985 و1773 قبل الميلاد، حيث يعكس مرحلة ازدهار فني وسياسي في تاريخ مصر القديمة.
وقد صُنع التمثال من حجر" الجرانيت الديوريت" شديد الصلابة، ما أضفى عليه قوة ومتانة ساعدت في بقائه لآلاف السنين.
اكتشاف أثري يعكس جهود الروادكُشف عن التمثال في منطقة" سان الحجر" عام 1860، على يد عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت، وذلك ضمن جهود مبكرة لحماية التراث المصري، حيث جاء الاكتشاف لصالح دائرة الآثار المصرية، في وقت كانت فيه الاكتشافات الأثرية تمثل نافذة العالم على حضارة وادي النيل.
ملامح ملكية في أدق تفاصيلهايبلغ ارتفاع التمثال نحو 165 سم، ويُظهر الملكة في وضعية جلوس مهيبة على كرسي منخفض الظهر، حيث تنسدل يدها اليمنى على فخذها، بينما تنحني ذراعها اليسرى برقة لتلامس ذراعها الأخرى، في تعبير فني عن التوازن والوقار.
وترتدي الملكة ثوبًا ضيقًا يُبرز تفاصيل الجسد وفق الأسلوب الفني لعصرها، كما تتزين بصديرية تحمل اسم زوجها الملك" خاخبر رع" (سنوسرت الثاني)، إلى جانب الشعر المستعار الثقيل ذي الطابع الحتحوري، والمزين برمز الأفعى (الكوبرا) الذي يعكس السلطة والحماية الملكية.
ترميم دقيق يحافظ على الهوية الأصليةرغم تأثر التمثال بعوامل الزمن، حيث تعرض لكسر في الأنف وفقدان بعض الأجزاء، فقد خضع لعملية ترميم دقيقة شملت إعادة بناء الذراعين والبطن والجزء السفلي من الساقين، حيث واستندت أعمال الترميم إلى تمثال مطابق للملكة يحمل الرقم (CG 382)، ما ساهم في الحفاظ على دقة الشكل الأصلي.
يحمل عرش التمثال نقوشًا هيروغليفية رأسية تحيط بساقي الملكة، ورغم فقدان جزء كبير منها، فإن ما تبقى يخلد ألقاب الملكة" نفرت" ويؤكد مكانتها داخل البلاط الملكي، لتظل هذه التحفة شاهدًا حيًا على عظمة الحضارة المصرية وقدرتها على تخليد رموزها عبر العصور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك