كان من الطقوس المعتادة بعد صلاة الجمعة في قرى كثيرة في مصر، أن يقف رجل أمام الجامع بعد انتهاء الصلاة، ينادي على شَربة الشيخ علي، التي أحياناً يصبح اسمها شربة الحاج داود، أو شربة الشيخ سيد.
إلخ، كانت تتغير على حسب الولي الذي تحبه القرية، أو الاسم الذي تبجّله، أو تقدسه، هي في الأصل شربة ديدان، تطرد الديدان خاصة دودة الاسكارس الطويلة الأسطوانية، التي عاصرت في قرية أبي وأمي لحظات نزولها المصيرية من مؤخرات أطفال ممصوصي الوجه، صُفر البشرة، مقوَّسي السيقان، لكن هذا الرجل المجعراتي يُنوّم الخارجين من الجامع مغناطيسياً، ويقنعهم بأن تلك الشربة علاج لأي مرض أو شكوى على وجه الأرض! ، كان الكل يشتري، وكان الكل يقتنع، وكان البعض يُشفى بالإيحاء، والمعظم لا يشفى، وغالباً تسوء حالته، ولكنه ينسى عملية النصب تلك، وللأسف كان من الممكن، بل من العادي أن يكررها، عرفت بعد عدة قراءات في بحوث علم الاجتماع المتعلقة بالطب، أن شَربة الشيخ علي أو الحاج داود، تندرج تحت عنوان كبير اسمه «Panacea Fallacy» أو وهم «العلاج الشامل»، وهي مغالطة من أخطر المغالطات الطبية، التي ما زالت تستخدم وتطبق حتى اليوم، وكان آخر تطبيقاتها هو نظام الطيبات الذي يشفي جميع الأمراض بدون أدوية.
ما هي الـPanacea Fallacy؟ ، أصل كلمة Panacea من الأساطير اليونانية، وتعني «الدواء الذي يشفي كل الأمراض»، من الممكن تعريفها باختصار بأنها الاعتقاد بأن هناك حلاً واحداً بسيطاً حاسماً يمكنه علاج مجموعة واسعة جداً من الأمراض المختلفة جذرياً في مسبباتها، يقول لك الدجال الذي يبيع هذا الوهم، مادة كذا، أو العشبة الفلانية كما قالوا عن الكركمين وحبة البركة، تشفي أمراض الكبد والسرطان والروماتويد والضغط والسكر.
إلخ، الطاقة تعالج الشلل والصداع والإسهال، فيتامين كذا مفيد للأعصاب والدم والأمعاء والأظافر، ويزيل كل الأعراض، علاج انتفاخ القولون بالطيبات يعالج الانفصال الشبكي وجلطة القلب، وهذه ليست طُرفة، ولكنها قيلت من طبيب تخدير محترم، على قناة محترمة! ، يخرج لك شخص منفعل منتفخ الأوداج، صارخاً في وجهك، وفيها إيه يعني؟ ، ويخلق ما لا تعلمون؟ ، وربنا قادر على كل شيء، ترد عليه قائلاً: يا سيدي ونعم بالله، قادر على كل شيء، لكنه منحنا العقل لنأخذ بالأسباب التي تحل لنا المشاكل، لا تستخدم فزاعة العناوين العريضة، التي لا علاقة لها بالموضوع أصلاً، والشبيهة بقنابل الدخان، التي تستخدم قبل الاقتحامات.
اطلب من هذا الصارخ بعض الهدوء، وقل له سأخبرك، لماذا هي مغالطة علمياً؟ ، أولاً: لأن آليات الأمراض تختلف، فكل مرض له سبب (etiology)، ومسار مرضي (pathophysiology)، واستجابة علاجية مختلفة، وليست «جهجهون»، أو بالجلا جلا، سرطان يعني خللاً في انقسام الخلايا، مرض السكر يعني خلل إنسولين، العدوى فيروس أو بكتيريا.
إلخ، فكيف لمركب واحد، أو علاج واحد، أو نظام واحد سواء طيبات أو شريرات، يشفي ويعالج كل تلك المسببات المختلفة؟ !، ثانياً الطب الحديث القائم على الدليل، يستخدم الأدوية التي تستخدم مسارات محددة، وموجهة إلى أهداف محددة، وحتى المرض الواحد تختلف آلياته، وبالتالي آليات علاجه، فالسرطان مثلاً، أنواع وأسباب مختلفة، وطفرات مختلفة، واستجابات مختلفة، فكيف نستهدف كل لوحات التنشين تلك برصاصة واحدة؟ !، ثالثاً: أرني برهانك، امنحني الدليل، لكنك أمام أي ادعاء لدواء أو نظام طبي أو غذائي يعالج كل شيء، ستجد صاحبه يفشل أمام التجارب العشوائية المحكمة، والمراجعات المنهجية في المجلات العلمية والمؤتمرات والمعامل البحثية، ما يسمح لهؤلاء الدجالين بغسل دماغك، وتزييف وعيك، والنصب على حضرتك، هو وقوعك بحسن نية، وعدم دراية، وجهل بقواعد العلم، وأحياناً إنكار متعمد، في فخ الخلط بين التحسن العام والعلاج الحقيقي، فبعض الأشياء قد تحسن المزاج، وتقلل الالتهاب بشكل عام، أو تعطي إحساساً بالطاقة، لكن هل هذا علاج حقيقي للمرض؟ ، للأسف لا، إنه الخلط بين الـsupportive effect (دعم عام)، والـcurative effect (علاج حقيقي)، أنت يتم خداعك، والضحك على ذقنك، لأنك لا تعرف معلومة مهمة، وهي تأثير البلاسيبو (Placebo)، فكثير من العلاجات الشاملة تعتمد على الإيحاء، والتوقع، والتحسن النفسي المؤقت، فيشعر المريض أنه تعافى، بينما المرض الأساسي ينخر في عظامه.
مغالطة Panacea ليست مجرد وجهة نظر تحتمل الخطأ، كما وصفها أحد الإعلاميين، الذي قدّم أحد باعة الوهم وروّج له، بل هي جريمة مكتملة الأركان، وبوابة رئيسية لسماسرة العلم الزائف، لأنها تقدم أملاً هو سراب، وتتاجر بالمرضى، وتؤخر العلاج الحقيقي، وفي معظم الأحيان تقتل بدم بارد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك