لم تكن معركة جماعة الإخوان الإرهابية مع القضاء خلال فترة حكمها مجرد خلاف سياسي عابر أو تباين في وجهات النظر حول إدارة الدولة، بل تحولت سريعًا إلى واحدة من أخطر المواجهات التي شهدتها مؤسسات الدولة المصرية الحديثة.
فمنذ وصول الجماعة إلى السلطة، تصاعدت مؤشرات الصدام مع السلطة القضائية بصورة متلاحقة، عبر قرارات وإجراءات اعتبرها قطاع واسع من القضاة والقوى السياسية والرأي العام محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل القضاء وإخضاعه لمنطق الجماعة ومشروعها السياسي.
وخلال عام واحد فقط، انتقلت العلاقة بين الإخوان والقضاء من حالة التوتر إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، بعدما شهدت البلاد سلسلة من القرارات المثيرة للجدل بدأت بعزل النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، مرورًا بمحاولات تعديل قانون السلطة القضائية وخفض سن تقاعد القضاة بما يطيح بآلاف من شيوخ المنصة، وصولًا إلى الإعلان الدستوري الذي حصّن قرارات الرئيس من الطعن القضائي، وانتهاءً بحصار المحكمة الدستورية العليا ومنع قضاتها من أداء عملهم، في مشهد اعتبره كثيرون لحظة فارقة كشفت حجم التصادم بين الجماعة ومؤسسات الدولة.
هذه الوقائع لم تُقرأ حينها باعتبارها أحداثًا منفصلة، بل كمسار متكامل أثار مخاوف واسعة من محاولة" أخونة القضاء" وإعادة هندسة منظومة العدالة بما يضمن ولاءها للسلطة الجديدة، وهو ما فجّر موجة غضب سياسي وشعبي واسعة، دفعت قطاعات كبيرة إلى اعتبار أن الدولة ومؤسساتها باتت تواجه مشروعًا يستهدف تغيير بنيتها من الداخل، الأمر الذي ساهم في تصاعد الاحتقان الذي انتهى بخروج الملايين في ثورة 30 يونيو رفضًا لاستمرار حكم الجماعة.
بداية الصدام.
إقالة النائب العامشهدت فترة حكم الإخوان واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل داخل المؤسسة القضائية، مع صدور قرار بعزل المستشار عبد المجيد محمود من منصب النائب العام، وتعيين المستشار طلعت عبد الله بدلًا منه، في خطوة اعتبرها كثير من القضاة سابقة خطيرة تمس استقلال القضاء وتفتح الباب أمام تدخل السلطة التنفيذية في شؤونه.
وأثار القرار موجة اعتراضات واسعة داخل الأوساط القضائية، خاصة مع اعتباره جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل مفاصل العدالة بما يتوافق مع توجهات الجماعة.
تحدي أحكام القضاء وإعادة البرلمانولم يتوقف التصعيد عند أزمة النائب العام، بل امتد إلى العلاقة مع المحكمة الدستورية العليا، بعدما صدر قرار بإعادة مجلس الشعب للانعقاد رغم صدور حكم قضائي بحله، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا واعتبرها مراقبون تحديًا مباشرًا لأحكام القضاء وهيبة مؤسساته.
ومع تكرار هذه الصدامات، بدأت تتصاعد المخاوف من دخول البلاد في أزمة دستورية وقانونية غير مسبوقة، خاصة مع اتساع الفجوة بين الجماعة والسلطة القضائية.
محاولات تعديل السلطة القضائيةوفي سياق متصل، دفعت الجماعة باتجاه تعديلات على قانون السلطة القضائية تضمنت خفض سن تقاعد القضاة، وهو ما كان سيؤدي إلى خروج ما يقرب من 3000 قاضٍ إلى المعاش المبكر.
وأثارت هذه المقترحات حالة غضب واسعة داخل المؤسسة القضائية، حيث اعتبرها كثيرون محاولة واضحة لإقصاء كبار القضاة وإعادة تشكيل الخريطة القضائية بما يخدم مشروع" أخونة الدولة".
الإعلان الدستوري.
ذروة التصعيدووصلت الأزمة إلى ذروتها مع إصدار الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، والذي تضمّن تحصين قرارات الرئيس من الطعن عليها أمام القضاء، إلى جانب تحصين مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لوضع الدستور من الحل.
وجاء هذا الإعلان قبل أيام قليلة من نظر المحكمة الدستورية العليا في دعاوى تتعلق ببطلان تلك المؤسسات، ما دفع قطاعات واسعة إلى اعتباره محاولة استباقية لتحييد القضاء ومنع صدور أحكام قد تربك مشروع الجماعة السياسي.
حصار المحكمة الدستورية.
المشهد الذي فجر الغضبوتصاعد المشهد بصورة غير مسبوقة مع محاصرة المحكمة الدستورية العليا ومنع قضاتها من الوصول إلى مقر المحكمة، ما أدى إلى تعذر انعقاد الجلسات وتأجيل نظر الدعاوى.
واعتبرت هذه الواقعة واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ العلاقة بين الجماعة والقضاء، بعدما رأى كثيرون أن الأمر تجاوز حدود الخلاف السياسي إلى محاولة مباشرة لتعطيل مؤسسة قضائية ومنعها من ممارسة دورها الدستوري.
شرارة الغضب التي سبقت 30 يونيوومع تراكم هذه الوقائع، اتسعت حالة الغضب الشعبي والسياسي تجاه الجماعة، خاصة مع تصاعد المخاوف من استمرار محاولات السيطرة على مؤسسات الدولة وإعادة تشكيلها وفق رؤية تنظيمية ضيقة.
وجاء الصدام مع القضاء لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل مؤشرًا على طبيعة العلاقة التي أرادت الجماعة الإرهابية فرضها مع مؤسسات الدولة، وهو ما ساهم في تأجيج حالة الاحتقان التي انتهت بخروج الملايين في 30 يونيو، في واحدة من أكبر موجات الرفض الشعبي في تاريخ مصر الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك