مع رحيل أي عزيز أو شخص مؤثر يفقد المرء جزءاً من حاضره، يتحول إلى ماضٍ في غمضة عين، حتى بالرغم من أن سهير زكي اعتزلت منذ عدة عقود، وبالرغم من أن زمن هاني شاكر ولى منذ سنوات طويلة، حتى يمكن القول إن رحيلهما لم يكن مفاجئاً، وإن زمنهما رحل بالفعل منذ عقود، لكنهما بقيا كجزء حي من الماضي ومن حاضرنا قبل أن يغيبهما الموت في الأسبوع الماضي، فيتأكد بقسوة هذا الرحيل.
وبحكم أنني عاصرت الاثنين، فقد بزغ نجم هاني شاكر عندما كنت طفلاً صغيراً، وما زلت أذكر جارتنا المراهقة التي كانت تعشق هاني شاكر مثلما تعشق الفتيات تيموتي شالميت هذه الأيام!وبالفعل كان هاني تعبيراً عن جيل جديد بعد عبدالحليم حافظ، حتى لو لم يحظ بمثل موهبته وشعبيته والظروف التي هيأت لهذه الموهبة النجاح والشعبية.
ظهر هاني شاكر في فترة «ميتة» بين عصرين متناقضين، بين زمن حليم وزمن السح الدح أمبو، وقبل أن يأتي زمن علي الحجار ومنير ومدحت صالح وهلم جراً.
ولم يستطع أن يلحق بزمن حليم، ولا أن يصبح جزءاً من زمن الثمانينات وما بعدها.
مع ذلك بقي هاني شاكر كدلالة، وعلامة، على هذه المرحلة الانتقالية: يحمل الوعد برومانسية عبدالحليم، وبالتعبير عن جيل جديد أكثر شباباً وأناقة، ولكنها ظلت دوماً مرحلة انتقالية معلقة محملة بالوعود.
وسواء في الغناء أو السينما لم تتحقق هذه الوعود.
أفكر في الفتاة المراهقة التي كانت تحب هاني شاكر ولا تسمع غيره وتعلق صوره في غرفتها: هذا جيل طبقة وسطى حمل رومانسية الخمسينات والستينات، لكن مع روح التحول السياسي والاجتماعي والثقافي وتطور الذوق الفني الذي شهدته السبعينات: زمن الشارلستون والقمصان المشجرة والسلسلة فوق القميص والشعر المسدل على الأكتاف أو «الكانيش» على شكل كرة هائلة الحجم فوق الرأس.
هذا الزمن الذي حاول عبدالحليم نفسه أن يلحق به، ولكن لم يستطع تحمل تبعاته، كما يظهر بوضوح في الحفل الأخير لـ«قارئة الفنجان» الذي تحول إلى مهزلة بفعل جمهور صاعد صاخب مزعج!حتى هاني شاكر لم يستطع مواكبة ذوق هذا الجمهور، ولا جماهير الأجيال اللاحقة، وإن كان قد استطاع بمعجزة ما، أن يصنع ويحتفظ بجمهوره الخاص وعشاقه (مثل جارتنا المراهقة) على مدار خمسة عقود! أو بمعنى آخر: استطاع أن يحتفظ بمكان ما في وجدان الكثيرين، مكان كان مهيأ لـ«أبناء عبدالحليم حافظ»، مثل هاني شاكر وعماد عبدالحليم ومحمد ثروت، كان يفترض أن يمثلوا الامتداد الطبيعي لعصره وأغانيه، ورغم أن هذا المكان وقاطنيه قد عصف بهم بقسوة مع رياح التغيير العاتية، إلا أنه بقي كفرضية وزمن مستقطع يستمع فيه المرء بحنين إلى إحدى أغاني هاني شاكر التي تبدو كحلقة وصل بين زمنين متباعدين.
بقي هاني شاكر على الدوام محتفظاً بهذا المكان والمكانة، كهمزة وصل بين الماضي والحاضر، بين أم كلثوم وعبدالوهاب وصولاً إلى عمرو دياب وشيرين وتامر حسني، بقي كجسر يربطنا بزمن راح، ولكن مثل العطر الذي يبقى في الملابس لعقود بقي صوته وملامحه كعلامة على بقاء الزمن واستمراريته.
لولا أن رحيله (الذي جاء صادماً ومؤلماً للكثيرين) ينبهنا بعنف أن هذا الزمن ولى إلى غير رجعة ولم يبق له أثر.
لم يكن لي في صوت هاني شاكر ولا أغانيه نصيب، وقد انتقلت مباشرة إلى فرق «الجيتس» و«المصريين» و«الأصدقاء» ثم محمد منير وعلي الحجار ومدحت صالح (بحدود).
ولكنني في مراهقتي كنت أفضل سهير زكي على أي راقصة شرقية أخرى.
ولم أكن أشغل نفسي بالأسباب، ولكن الآن حين أفكر في رقصاتها ألاحظ عدة أشياء: أولاً قوامها المصري المتميز الذي يختلف عن أي قوام أنثى آخر.
الجميلات كثيرات والجمال الأنثوي واحد ولكن متعدد بتعدد الأجناس والأعراق، والصينيات يختلفن عن الأفريقيات عن الأوروبيات الجنوبيات عن أوروبيات الشمال.
والجمال الأنثوي المصري يمكن التعرف على مواصفاته التي تجمع بين التضاريس الأفريقية والبحر متوسطية والشرق أوسطية، ولعل أهم ما يميزه الصدر والحوض الكبيرين والأكتاف والأفخاذ اللحيمين والوجه شبه المستدير بعيون واسعتين كحيلتين.
وسهير زكي بين الراقصات يمكن التكهن بمصريتها على الفور.
العنصر الجاذب الآخر هو خفة هذه التضاريس على المسرح، وقدرتها على تحويل جسدها إلى شبه فراشة رشيقة وسريعة الحركة، مع وضوح هذه الحركات (لغة الجسد) بشكل مفهوم.
وحتى أوضح أكثر: تمثل حركات الرقص علامات ولغة غير مرئية وغالباً منسية من عصور قديمة، لكن العقل الجمعي يتذكرها وينفعل بها حين تكون بليغة ومتناسقة ومفهومة (يمكن الرجوع لبعض رقصات السينما الهندية الشهيرة، أو رقصات أمريكا اللاتينية المعروفة لمزيد من الاستيعاب).
وسهير زكي بطريقة ما كانت تعرف لغة الرقص المصري الشرقي وتتحدث بها بفصاحة! العنصر الثالث المميز في تجربة سهير زكي كان اختياراتها الموسيقية الراقية: ولدت منتصف الأربعينات وشبت في الخمسينات ونضجت مع الستينات، ونجحت في الانتقال بسلاسة إلى السبعينات، لتصبح أهم راقصة تعبر عن هذه الفترة (بجانب نجوى فؤاد، وهذا موضوع آخر)، وأن تصبح الجسر بين عصرين الذي لم ينجح هاني شاكر في أن يكونه.
وعلى أي حال عصفت منتصف الثمانينات وبداية التسعينات الرجعية بالزمن وجسوره بعنف وقسوة.
اعتزلت سهير زكي مع من اعتزلن تحت وطأة التخلف والتطرف والمؤامرات المدبرة داخلياً وخارجياً، ولكن لم تتاجر باعتزالها ولم تتبرأ من مهنتها وأعمالها.
وقد لاحظت للتو أن الراقصات بشكل عام أكثر اتساقاً مع الذات عن كثير من الممثلات، اللواتي وقعن في براثن الازدواجية والتناقضات، وبعضهن أردن حرق ماضيهن وتحولن إلى شيخات وداعيات، أو إلى زوجات لرجال «أعمال التوبة».
في حين بقيت معظم الراقصات واقفات صامدات يدافعن عن مهنتهن بشجاعة! بالرغم من أن سهير زكي، مثل معظم راقصات هذه الأزمنة، لم تحظ بقدر كبير من التعليم والثقافة إلا أنها احتفظت بعقل ناضج وحكمة شعبية وصمت أبلغ من الكلام.
ولذلك احتفظن بحب الناس واحترامهم، حتى الذين يهاجمون الرقص والراقصات كمبدأ.
ورغم أنها اعتزلت منذ ثلاثة عقود تقريباً إلا أنها ظلت جزءاً من حاضرنا حتى رحيلها منذ أيام، وبهذا الرحيل فقدنا جزءاً من هذا الحاضر سيتحول إلى ذكرى حنونة ومؤلمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك