عمان -" حزين، سعيد، متألم، تعيش حالة غضب، أو في حالة حب.
"؛ جميعها مشاعر يعيشها الشخص في حياته اليومية، ليجد، حين يتصفح هاتفه، من يعزز تلك المشاعر ويلقي بظلاله على الحالة التي يشعر بها، ويرفع وتيرة أحاسيسه، حين يقع تحت ما يسمى بـ" فريسة الخوارزميات".
اضافة اعلانوعلى الرغم من الحديث المتكرر عن هذه الحالة النفسية الرقمية، إلا أنها تتفاقم، إذ يدور الإنسان في دائرة المشاعر ذاتها؛ ففي حياته الواقعية، وعند الهروب إلى الحياة الرقمية الافتراضية، تلعب الخوارزميات دورا مؤثرا في انغماس الشخص في مشاعره لأيام عدة، وقد تؤثر أحيانا في تعامله مع المحيطين به، وأفراد عائلته على وجه الخصوص.
خوارزميات تتواءم فعليا مع المشاعرفي العالم الرقمي، تُعرَّف الخوارزميات بأنها" مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية المتسلسلة والمحددة بدقة، تعمل على تحويل المدخلات إلى مخرجات عبر خطوات منطقية، وهي أساس البرمجة وعلوم الحاسوب".
لكن هذا التعريف الكبير للخوارزميات، رغم أنه رقمي وعلمي بحت، فإن تأثيره في الحياة الرقمية للأفراد يعد كبيرا، وكل شخص قادر على ملاحظة ذلك من خلال ما يشاهده على هاتفه يوميا، وكيف يتواءم فعليا مع مشاعره التي يعيشها في تلك اللحظة.
وعن تجربته في هذا الجانب، يتحدث علاء خليل قائلا: " من الشائع أن يظن البعض أن وسائل التواصل الاجتماعي تعرض لهم محتوى يطابق ما يمرون به، لكن الحقيقة أن الخوارزميات تظهر ما نبحث عنه ونتفاعل معه".
فالشخص الحزين يميل إلى متابعة مقاطع حزينة، فيستمر ظهورها له، وكذلك من يبحث عن الضحك أو غيره.
زرع أفكار غير واقعية في الأذهانلذلك، من المهم الانتباه إلى طريقة استخدامنا، وعدم الانجراف وراء هذا المحتوى، كما يُفضَّل التفكير جيدا قبل نشر أي مقاطع قد تضيع وقت الناس أو تزرع أفكارا غير واقعية في أذهانهم، على حد تعبير علاء.
أما عبير شعبان، فتتحدث أيضا عن وقوعها في فخ الخوارزميات بشكل يومي، حتى باتت تعلم مسبقا ما قد يُعرض أمامها وهي تتصفح هاتفها، وتقول: " أصبح تأثير الخوارزميات واضحا في حياتنا اليومية، وكأنها تواكب حالتي النفسية".
فعندما تكون حزينة أو منزعجة، تظهر لها مقاطع تزيد من ألمها وحزنها.
لكن عندما تكون في مزاج جيد، فإنها تشاهد بشكل متكرر محتوى يحمل صبغة مبهجة ومضحكة، وإذا اتجهنا نحو الجانب الديني، نجد المحتوى الروحاني حاضرا، وكذلك الحال حين نكون في حالة" حب"، على حد تعبيرها، إذ إن ما يستوقفنا يكون دائما مقاطع رومانسية وحالمة.
التأثير في التفكير والمزاج العاموتعتقد عبير أن المشكلة تكمن في أن تعمدنا تكرار مشاهدة تلك المقاطع، سواء كانت مصورة أو فيديوهات أو محتوى مكتوبا، يساهم في تعميق حالتنا النفسية، ويجعلنا نعيش داخل دائرة واحدة من المشاعر، وهذا يتطلب منا وعيا وعدم الانسياق خلف الخوارزميات أو السماح لها بالتحكم بنا؛ لما لها من تأثير في تفكيرنا ومزاجنا العام.
ويُعرَّف فخ الخوارزميات أيضا بأنه" مصطلح يشير إلى الحالة التي يجد المستخدم نفسه فيها محاصرا داخل فقاعة من المحتوى المكرر أو المخصص بدقة، بناء على تفاعلاته السابقة، مما يحد من اطلاعه على وجهات نظر مختلفة أو محتوى متنوع".
ويقول مستشار أول الطب النفسي الدكتور وليد سرحان لـ" الغد" إنه، من الناحية النفسية، يمكن للخوارزميات في العالم الافتراضي أن تؤثر في المزاج والتفكير والسلوك، خصوصا مع التعلق الشديد بالهاتف وكثرة التعرض لمقاطع قصيرة ومتلاحقة مثل" الريلز".
الاجترار النفسي والعزلة لدى المشاهدويقول سرحان إن هذه الخوارزميات لا تفهم الإنسان بمعناه العاطفي الحقيقي، لكنها تقرأ سلوكه الرقمي: ماذا يشاهد؟ أين يتوقف؟ ماذا يعجبه؟ وماذا يعيد متابعته؟بعد ذلك، تقدم له محتوى مشابها، فيشعر الشخص أحيانا وكأن الهاتف" يفهمه"، أو أن الرسائل موجهة إليه شخصيا، وهنا تكمن المشكلة، لأن الإنسان في لحظات الحزن أو القلق أو الوحدة قد يكون أكثر قابلية للتأثر بما يشاهده.
ويرى سرحان أنه إذا استمر ظهور محتوى حزين أو مثير للقلق، فقد يعمق المشاعر السلبية ويزيد الاجترار النفسي والعزلة لدى المشاهد.
وفي المقابل، قد يمنحه المحتوى السريع لحظات مؤقتة من المتعة أو التسلية، لكنها لا تعوض العلاقات الإنسانية الحقيقية ولا الدعم الاجتماعي الواقعي.
في حين يعلق عز الخطيب على مشكلته في هذا الموضوع قائلا: " المشكلة لدي تكمن في أنني أعتقد، عندما أشاهد تلك المقاطع مكررة أمامي، أن هذا هو رأي الجميع أو الحقيقة الكاملة، بينما هو في الواقع محتوى مختار لي فقط بناء على سلوكي ومشاعري وتكرار مشاهدة مقاطع من ذات المحتوى".
تقلب المزاج وزيادة الشعور بالوحدةويطرح عز مجموعة من الأمثلة التي لمسها من خلال تعرضه لفخ الخوارزميات، مثل: " شخص اختلف مع زوجته، فبدأ يشاهد مقاطع سلبية، فامتلأ هاتفه بهذا النوع، فشعر أن المشكلة أكبر مما هي عليه"، وشخص يعيش حالة حزن ويأس وفقدان شغف، يركز على مشاهدة مقاطع سلبية، وهذا قد يعزز لديه شعور الحزن والاكتئاب، بل ويشاركها مع أصدقائه ليظهر لهم مشاعره الحالية.
لذلك، يشدد وليد سرحان على" أن العالم الافتراضي قد يخلق وهما بالقرب والفهم، لكنه في جوهره عالم مبني على الأرقام والانتباه والمشاهدة، لا على التعاطف الإنساني الحقيقي"، وأن الإفراط في استخدامه قد يؤدي إلى ضعف التركيز، واضطراب النوم، والمقارنة المستمرة بالآخرين، وتقلب المزاج، وزيادة الشعور بالوحدة.
كما يبين سرحان أن هذا الأمر يظهر بشكل أوضح عند اليافعين والشباب، أو الأشخاص الذين يعيشون حالة من الضغط النفسي، والمطلوب هنا ليس رفض التكنولوجيا، فهي أصبحت جزءا من حياتنا، بل تنظيم علاقتنا بها.
ومن المهم أيضا أن نكون على قدر كاف من الوعي، بحسب سرحان، وأن نتيقن من أن ما يظهر أمامنا ليس صدفة بريئة دائما، بل نتيجة خوارزميات تهدف إلى إبقائنا أطول مدة ممكنة أمام الشاشة.
ويؤكد سرحان أننا نحتاج إلى فترات انقطاع عن الهاتف، ومتابعة محتوى صحي ومتوازن، كما ينبغي عدم استخدام الهاتف بديلا عن الحوار الأسري، والصداقة، والرياضة، والقراءة، أو طلب المساعدة النفسية عند الحاجة، حتى لا نبقى أسرى فخ الخوارزميات الذي لا نهاية له.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك