موسم الورد في الجبل الأخضر، يتجاوز كونه مجرّد حدث زراعي موسمي مرتبط بقطف الورد وتقطير ماء الورد وبيع منتجاته، بل يمكن قراءته من زاوية أوسع بوصفه منظومة اقتصادية إبداعيّة متكاملة تجمع بين: الزراعة، والمعرِفة، والتجربة، والهُويّة الثقافيّة.
وراء جماليّة المشهد تكمن منظومة إنتاجيّة دقيقة، تقوم على خبرات متوارثة وعوامل طبيعيّة، حيث تشير التّقديرات إلى وجود نحو خمسة آلاف شجرة ورد مُحمّديّ مزروعة على مدرّجات الجبل الأخضر، تمتدّ على مساحة تُقارب 7 أفدنة، بإنتاج يصل إلى نحو 28 ألف لتر من ماء الورد العُمانيّ سنويًّا.
وهذا يؤكد أنّ ما يحدث يتجاوز كونه نشاطًا عابرًا، ليشكّل نموذجًا إنتاجيًّا يعتمد على دقّة التّوقيت، والخصائص المناخيّة، والخِبرة التّراكميّة، بوصفها أساس المردود الاِقتصاديّ والدّلالة الثّقافيّة للموسم.
في النّموذج التّقليديّ، يُنظر إلى الورد المُحمّديّ بوصفه محصولًا زراعيًّا موسميًّا، ولكن ضمن إطار الاقتصاد الإبداعيّ يتحوّل هذا المُنتج إلى مجموعة من القيَم المُتداخلة.
فهو:– هُويّة مكانيّة مُرتبطة بجُغرافيّة الجبل الأخضر– مُنتج ثقافيّ يعكس إرثًا زراعيًّا تتوارثه الأجيال– تجرِبة حِسّيّة يتحوّل فيها المُنتج إلى إحساس يُعاشوعليه، يُقدّم ماء الورد كامتداد لهُويّة المكان وثقافته، وكمكوّن ضمن منظومة اِقتصادية ومعرِفيّة تعكس عُمق العَلاقة بين الإنسان والمكان.
وتُظهر المُقاربة التّحليليّة لموسم الورد في الجبل الأخضر إطارًا تشغيليًا للاِقتصاد الإبداعيّ يقوم على ثلاثة أبعاد رئيسة:– اقتصاد الإنتاج: الزّراعة، القطف، التّقطير، البيع، والتّوزيع.
– اِقتصاد المعرِفة: المهارات التّقليديّة المُتوارثة الّتي تُنظّم المُمارسات الزّراعيّة، وتقنيات الاِستخلاص، وتوجّه أساليب الإنتاج.
– اِقتصاد التّجرِبة: السّياحة الموسميّة، التّفاعل المُجتمعي، وصِناعة المُحتوى المُرتبط بالموسم.
هذا التّداخل يُعيد تعريف العَلاقة بين الاِقتصاد والثّقافة بحيث يُصبح المُنتج نتيجة شبكة مُتكاملة من العمليّات الماديّة، والمعرِفيّة، والتّجريبيّة.
تكتسب هذه القراءة أهمّيّتها في ظلّ التّغيّرات الّتي أعادت تشكيل عَلاقة المُستهلك بالمُنتج، فلم يعد يتعامل معه كسلعة مُستقلّة، بل كجزء من المنظومة الّتي تُحيط به من ناحية كيف تم إنتاجه؟ ومن أين جاء؟ وما التّجرِبة المُرتبطة به؟ وما المعنى الّذي يحمله؟في موسم الورد، تُقدّم تجربة مُتكاملة قائمة على النّدرة الزّمنيّة والمكانيّة، ليغدو حدثًا لا يتكرّر إلّا مرّة واحدة سنويًّا، وهو ما يمنحه بُعدًا يتجاوز خصائصه المادّية إلى أبعاده الرّمزيّة.
إن موسم الورد في الجبل الأخضر يشكّل نموذجًا موسميًّا تتقاطع فيه عدّة عناصر رئيسة وهي: مورد طبيعيّ يتمثّل في الورد المُحمّديّ، صِناعة تحويليّة قائمة على تقطير ماء الورد، معرِفة تُراثيّة مُتوارثة عبر الأجيال، وتجرِبة سياحيّة موسميّة مُتكاملة إضافة إلى هُويّة مكانيّة تمنح الموسم فرادته وتميّزه.
ومن هذا المُنطلق، يتخطّى الموسم كونه نشاطًا زراعيًّا موسميًّا ليغدو نموذجًا مُصغّرًا للاِقتصاد الإبداعيّ في سلطنة عُمان، حيث تلتقي الطّبيعة بالمعرِفة، والموروث بالإنتاج، والسّياحة بالهُويّة الثّقافيّة في منظومة واحدة لتُحدث أثرًا يتجاوز حدود المكان والزّمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك