في خطوة مفاجئة للفضاء الرقمي، استيقظ الأردنيون على قرار حجب المواقع الإباحية الذي انتظروه وطالبوا به منذ سنوات.
جاء القرار ليطلق عشرات الأسئلة الجوهرية، كان أبرزها لماذا الآن تحديداً؟ وما إذا ما كان الحجب الشامل سيترافق مع ثورة توعوية وبدائل رقمية تشغل وقت الشباب الأردني؟القرار استقبل بترحيب واسع من منظور أخلاقي واجتماعي، لكنه على رغم رمزيته يواجه، وفق مراقبين، تحدياً تقنياً يسمى" الالتفاف الرقمي".
فبمجرد سريانه رصدت مؤشرات البحث محاولات مكثفة للوصول إلى برامج الـ VPN والـ Proxy، وسط مخاوف من اندفاع آلاف الشباب نحو تطبيقات مجانية مجهولة المصدر، قد تتحول لاحقاً إلى أدوات للتجسس أو سرقة البيانات الشخصية والبنكية.
وأعلنت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات الأردنية، على لسان رئيسة مجلس مفوضيها لارا الخطيب، البدء الفوري بتطبيق منظومة حجب شاملة للمواقع الإباحية.
لكن ما يلفت الانتباه، بالنسبة لمراقبين، ليس القرار نفسه بل الطريقة التي صيغ بها، إذ تم وصفه بأنه إجراء دوري وروتيني، وهو ما أثار قلق البعض من أن يكون القرار الذي حظي بشعبية يرسّخ لسابقة قانونية قد تستخدم لاحقاً لتوسيع نطاق الحجب.
وأعلن القرار شمولية الحجب بحيث لا يقتصر القرار على تقنيات" الفايبر" أو ADSL فحسب، بل يشمل حزم الإنترنت كافة عبر الهواتف الذكية.
وأكدت الخطيب وجود تحديث دوري لقوائم الحجب لمواجهة المواقع الجديدة التي تظهر يومياً للالتفاف على الرقابة.
وفي بلد يتجاوز فيه عدد مستخدمي الإنترنت 10.
8 مليون نسمة، منهم 8 ملايين يبحرون عبر هواتفهم الذكية، يصبح اللجوء إلى تطبيقات كسر الحجب المجانية والمجهولة بمثابة ذريعة الوصول للمحتوى المحجوب، بينما تترصدهم أدوات التجسس وسرقة البيانات البنكية.
وبالنظر إلى أن الأردن دولة فتية ديموغرافياً، إذ إن نحو 65 في المئة من سكانها دون الـ 35، فإن هذه الشريحة هي الأكثر معرفة بأدوات التحايل الرقمي.
القرار استقطب تأييداً واسعاً وغير مسبوق من أطياف متعددة من بينهم نواب في البرلمان وأولياء أمور ومؤسسات مجتمع مدني ممن وصفوا الحجب بأنه استجابة لمطالب متكررة.
وكانت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات دعت المواطنين الأردنيين صراحة إلى الإبلاغ عن أي مواقع تتسرب من أنظمة الفلترة، وهي دعوة تحمل اعترافاً ضمنياً بأن المنظومة ليست محكمة تماماً وأنها بحاجة إلى خبراء رقميين لاستدامتها.
يقول مختصون إن التقنية المستخدمة هي الفلترة التلقائية، وتشمل خدمات الإنترنت بمختلف أنواعها مع تحديث دوري لقوائم الحجب لمواجهة المواقع الجديدة التي تنشط للتحايل على أنظمة الرقابة.
لكن البعض يشير الى سهولة الحصول على تطبيقات الـ VPN المتاحة مجاناً في متاجر التطبيقات الرسمية، ما يجعل الحجب في عالم اليوم المتقدم تقنياً أمراً غير مستحيل لكنه يرفع ثمن الوصول قليلاً ويجعله أقل مباشرة.
ويؤكد تقنيون تحدثوا لـ" اندبندنت عربية" أن الصين بنت جدارها الرقمي العظيم على مدى 20 عاماً وبمليارات الدولارات، لكن الصينيين ما زالوا يجدون طريقهم عبره.
أما المقارنة الأكثر وضوحاً فهي أستراليا التي طبقت نظام حجب مشابهاً عام 2022 وسجّلت الأبحاث اللاحقة ارتفاعاً في استخدام الـ VPN بنسبة 30 في المئة.
يفسر مراقبون سبب اتخاذ هذا القرار الآن، على رغم أن القانون الأردني لا يسمح بالمحتوى الإباحي من قبل، بأن ثمة ضغوطاً ومطالبات برلمانية متراكمة، بموازاة تصاعد صوت التيارات المحافظة، وموجة من الشكاوى المجتمعية، دفعت الهيئة أخيراً لاتخاذ خطوة إجرائية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن حجب المحتوى الإباحي يجب أن توازيه حملات للتثقيف الجنسي الصحي، وبرامج للوعي، ومنصات الدعم النفسي للمدمنين، في حين يرى آخرون أن دولاً خليجية عدة سبقت الأردن في هذا المسار بسنوات، ما يعني أن ثمة نمطاً إقليمياً لتوحيد منظومات الرقابة الرقمية.
أما الاحتمال الثالث، وهو الأكثر إثارة للقلق، أن يكون حجب المحتوى الإباحي الخطوة الأولى لترسيخ بنية تقنية وقانونية توظف لاحقاً لحجب محتوى من نوع آخر.
ولم يأتِ قرار الحجب الأخير من فراغ، بل كان تتويجاً لسنوات من الشد والجذب بين تيار شعبي وبرلماني يضغط باتجاه الحماية القيمية، وبين تعقيدات تقنية وقانونية كانت تؤجل التنفيذ.
فمنذ عام 2014 بدأت المطالبات تأخذ طابع الحراك المنظم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ انطلقت حملات مثل" تحصين" التي طالبت بحجب المواقع الإباحية، وركزت على حماية الأطفال من" التحرش الإلكتروني".
أما أول حراك برلماني جاد فكان عبر مذكرات نيابية متفرقة تطالب الحكومة بإلزام شركات الاتصالات بالحجب، لكن الرد الحكومي كان يركز دائماً على صعوبة الحجب التقني وتكلفته العالية على الشركات.
وبسبب الضغط المستمر، اتخذت الحكومة الأردنية، ممثلة بهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، خطوة وسطية عبر إلزام شركات الاتصالات بتوفير خيار" الإنترنت الآمن" للأهالي، بحيث يكون الحجب اختيارياً لمن يرغب.
لكن بعض النواب اعتبروا هذه الخطوة ذراً للرماد في العيون مطالبين بحجب شامل وتلقائي، حتى جاء عام 2025، عبر مذكرة نيابية حاسمة حذرت من تصاعد جرائم" الابتزاز الإلكتروني" والنصب المرتبط بهذه المواقع مع إثبات أن هذه المواقع هي المصدر الأول لفيروسات الفدية في الأردن، ما دفع الحكومة، أخيراً، للقرار بالحجب الشامل استجابة لمطالب شعبية ملحة، ولحماية النسيج الاجتماعي، إضافة إلى كونه جزءاً من استراتيجية الأمن السيبراني الوطني.
لكن المعضلة التقنية التي تواجه الهيئة تتجاوز المواقع الإباحية التقليدية، فالعالم الرقمي اليوم يتجه نحو المنصات الهجينة، إذ إن الحجب قد يدفع الباحثين عن هذا المحتوى نحو تطبيقات مثل" تيليغرام"، أو منصات البث المباشر العالمية، التي توفر محتوى مشابهاً تحت غطاء الترفيه، وهي منصات لا يمكن حجبها بالكامل من دون تعطيل خدمات أساسية في الدولة.
وتشير لغة الأرقام المستقاة من نبض محركات البحث في الأردن أن المنع ليس نهاية القصة، بل هو بداية لمعركة وعي أكثر تعقيداً.
فبمجرد بدء تنفيذ الحجب، رصدت" اندبندنت عربية" على موقع" غوغل تريندز" توسعاً في حجم الكلمات البحثية المتعلقة بكسر الحجب، إذ لم يعد البحث عن المواقع الإباحية هو السائد بل الوسيلة للوصول إليها.
وأظهرت البيانات أن أعلى كثافة للبحث عن وسائل كسر الحجب كانت في عمان، تليها إربد (شمال)، ثم الزرقاء (شمال شرقي).
لكن الرهان الحقيقي اليوم في بناء" جدران مناعة" داخلية لدى الجيل الذي يتنفس التكنولوجيا من الأردنيين، بحيث يتحول" المنع القانوني" إلى" قناعة مجتمعية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك