مَن لا يعرف دور مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين: درعا واليرموك (دمشق) والرمل (اللاذقية)، في الثورة السورية، لا يعرف كيف تشكّلت مداميك الثورة وبنيتها ومساراتها.
ومن ثمّ، أيّ تقييم لا يتعامل بموضوعية مع هذه الحقيقة يصبح ناقصاً في المبنى والمعنى، حتى إن جرى رصّ الكلمات والجمل بأسلوب مبالغ فيه، بهدف إظهار الخصوصية السورية في مواجهة" الآخر"، أو من يُراد له أن يكون" آخر" عنوةً، وإخراجه من النسيج السوري عنوةً.
ولم يكن تقرير منصّة سيريا شفت سوى محاولة صريحة لإخراج الفلسطيني نهائياً من ذاكرة الثورة السورية، وتاريخ فعالياتها، التي ما زالت طرّية، سواء بدماء شهدائها الطازجة، أو بشراكتهم مع السوريين في الحياة والموت والحصار والخبز.
وهو توجّه لدى بعض النُّخب السورية بدأ يبرز بصراحة بعد سقوط نظام الأسد، في انزياح عنصري ملحوظ وملموس يشمل، إلى جانب الأقلّيات السورية، الفلسطينيين، للتقليل من دورهم، وربّما لمصادرة حقوقهم التي اكتسبوها منذ أيّام الاستقلال السوري الأولى، ويرى بعضهم أنّها مكاسبُ زائدةٌ يتوجّب إعادة تنظيمها.
ثمّة من يريد القول للفلسطيني السوري: آن الأوان لأن تخرج من النسيج السوري.
المعادلة السابقة التي جعلتك تتموضع سورياً انتهت، وجرت مياه كثيرة في النهر، والآن في سورية نعيد صياغة معادلات جديدة على الصعد كافّة، معادلات بتراتبيات هرمية، تقف في رأس الهرم جماعة تملك السيطرة والسطوة وسلطة القرار والتقرير، وفي قاع الهرم فوائض زائدة عن الحاجة، لا يحقّ لها حتى الكلام، وليس لها حقّ المزاودة بوطنية نحن من يحدّد ماهيتها ويعرّف قوامها.
أمّا أنت، أيّها الفلسطيني، فلا نريدك حتى ضمن قائمة الفوائض، لذا فاصمت أو ارحل.
لكن، هل يمكن انتزاع الفلسطيني من السياق السوري بهذه البساطة والخفّة؟
الواقع يقول إنّ جينات الوعي السوري محمّلة بحمولات زائدة من فلسطين وقضيتها، تضمن بقاءها أجيالاً وعقوداً مقبلةً.
والواقع يقول إنّ البيولوجيا السورية الفلسطينية ترسّخت عبر المصاهرات.
يذكر أحد وجهاء درعا أنّه، في بداية الثورة، طلب بعض الوجهاء من الفلسطينيين البقاء على الحياد، حتى لا يستغلّ نظام الأسد هذا الأمر ويجد مبرّراً للفتك بالفلسطينيين، غير أنّ أهل مخيّم درعا قالوا: لا نستطيع أن نكون على الحياد، فأبناء درعا البلد هم أبناء خالاتنا وعمّاتنا وأخوالنا، ومن ثمّ، فنحن لا نملك القدرة على البقاء في موقع المتفرّج، فيما لحمنا ودمنا يتناثر في الطرقات.
ثمّة فئات سورية كثيرة لا تعرف الفلسطينيين بحكم عدم الاحتكاك بهموبعيداً عن دعم شعب غزّة والضفّة الغربية الثورة، وتعاطفهم الكبير مع معاناة الشعب السوري، وبعيداً عن المساعدات التي قدّمها فلسطينيو القدس وفلسطينيو الداخل، فالفلسطيني جزء عضوي وأساس في الثورة السورية، وفاعل رئيس لا يقلّ عن الفاعل السوري.
وما لا يعرفه بعضهم، أو ما يُراد طمسه، أنّ مخيّم اليرموك كان أحد مطابخ صناعة القرار في الثورة السورية.
جزء كبير من نشطاء الثورة تدرّب في" اليرموك"، الذي سيفتح أبوابه بعد وقت قصير لجميع سكّان جنوبي دمشق، وللفارّين من الغوطتَين ومن درعا.
وكان مخيّم اليرموك في الليل، وعندما يبدو كلّ شيء هادئاً، خلية نحل تغلي؛ اجتماعات لنشطاء وناشطات، سوريين وفلسطينيين، للبحث عن طرائق لمساعدة الثوار في الغوطة والمناطق المحاصرة، ودعم استمرار الثورة.
يقولون في الأمثال الشعبية: من لا يعرف الصقر يشويه.
وثمّة من يفسّر توجّهات بعض السوريين تجاه الفلسطيني بعدم المعرفة الكافية.
وبالفعل، ثمّة فئات سورية كثيرة لا تعرف الفلسطينيين بحكم عدم الاحتكاك بهم.
وعلى الرغم من انتشار المخيّمات الفلسطينية في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وحماة ودرعا، فإنّ سوريين كثيرين ربّما لم يقابلوا فلسطينياً.
وفي أثناء الأحداث، عرف بعض سكّان دمشق وحلب الفلسطيني المؤيّد لنظام الأسد، عرفوه على الحواجز.
تقصّد نظام الأسد فعل ذلك.
ومن الطبيعي أن يُعرف هؤلاء، لكن لم تُعرف الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين المؤيّدين للثورة؛ لأنّ ظهورهم العلني يعني انتحاراً جماعياً للفلسطينيين.
ومن هنا، قد يكون استقرّ في ذهن بعضهم أنّ غالبية الفلسطينيين مؤيّدون للنظام.
لم يعرف سوريون الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين المؤيّدين للثورة، لأنّ ظهورهم كان يعني انتحاراً جماعياًلكنّ هذا الأمر قد يكون على مستوى العامّة، أمّا أن يصدر ذلك، تلميحاً وتصريحاً، من منبر إعلامي مدعوم من الحكومة، القادمة من تجربة نضالية، وتعرف تفاصيل وأسراراً كثيرة، فالأمر يستدعي التوقّف والتأمّل.
وهنا يُثار السؤال الجوهري في هذه المسألة: هل لأنّ إعلامياً فلسطينياً أبدى رأياً في مشروع استثماري، هو البناء على جبل قاسيون، قد يكون مدعوماً من مراكز قوى في الدولة السورية الجديدة، نرفع البطاقة الحمراء في وجه الفلسطيني ونقول له: اصمت أو ارحل؟الخوف من أن يكون ثمّة شيء يجري ترتيبه في الخفاء، وأنّ تقرير المنصّة المذكورة مجرّد بالون اختبار، أو تمهيد للرأي العام، ولا سيّما مع مطالب أميركية واضحة بإنهاء العمل الفلسطيني الفصائلي والسياسي في سورية.
وجاء الردّ واضحاً في مسير جنود سوريين: " إن غزّة في القلب، وفلسطين في الروح، وطالعلك يا عدوي طالع".
ربّما لم يُرضِ ذلك بعض المتنفّذين ممَّن يجهّزون أنفسهم لحصد المكاسب من الاستثمارات الموعودة، ولن يسمحوا بضياع الفرصة التاريخية، لذا؛ على الفلسطيني أن يصمت، ولو رحل فسيكون أفضل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك