أولت الدولة، من خلال مشروع قانون الأسرة الجديد، أهمية نحو تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وترسيخ مبادئ العدالة داخل الأسرة، من خلال الاهتمام بملف النفقة، باعتباره إحدى أهم أدوات ضمان الاستقرار الأسري وصون حقوق الزوجة والأبناء، حيث أكد المشروع أن النفقة ليست منحة أو تفضلاً، وإنما التزام قانوني ثابت يُعد ديناً في ذمة الزوج أو الأب، لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء الثابت بالكتابة، مع إعطائها أولوية متقدمة على غيرها من الديون، بما يعكس فلسفة تشريعية تستهدف حماية الفئات الأضعف داخل الأسرة.
وينطلق مشروع القانون من مبدأ دستوري أصيل، يتمثل في حق الطفل في التعليم والرعاية الكاملة، حيث ألزم الأب بالإنفاق على أبنائه في جميع مراحل التعليم، بدءاً من التعليم التمهيدي وحتى التعليم الجامعي، ما لم يكن الابن قادراً على الكسب أو تتوافر له موارد خاصة، ويؤكد المشروع أن هذا الالتزام لا يرتبط باستمرار العلاقة الزوجية بين الأب والأم، وإنما هو حق مستقل للطفل لا يسقط تحت أي ظرف، بما يضمن استمرارية حصول الأبناء على تعليم مناسب دون انقطاع.
وفي هذا السياق، نص مشروع القانون على أن نفقة الزوجة تُعد ديناً ثابتاً على الزوج من تاريخ امتناعه عن الإنفاق رغم وجوبه، ولا تُقبل المطالبة بها عن مدة ماضية تتجاوز سنة واحدة سابقة على رفع الدعوى، كما حظر المشروع على الزوج التمسك بالمقاصة بين نفقة الزوجة وأي دين له عليها، إلا في حدود ما يزيد عن احتياجاتها الضرورية، بما يعزز الحماية القانونية للزوجة ويمنع الإضرار بحقوقها الأساسية.
كما منح المشروع نفقة الزوجة أولوية خاصة، حيث تُعد ديناً ممتازاً على جميع أموال الزوج، وتأتي في مرتبة متقدمة على غيرها من الديون، بما في ذلك المصروفات القضائية والمستحقات المالية للخزانة العامة، ويجوز للزوجة في حال الحكم النهائي بالنفقة أن تطالب باحتساب ما سبق دفعه من نفقة مؤقتة ضمن المبالغ المستحقة، بما يضمن العدالة بين الطرفين ويمنع التلاعب أو الإضرار المالي.
ويعتمد مشروع القانون في تقدير النفقة على معيار يسار الزوج أو إعساره وقت الاستحقاق، على ألا تقل في حالة العسر عن الحد الأدنى الذي يفي بالاحتياجات الأساسية للمعيشة، كما يتيح للزوجة طلب نفقة مؤقتة في حال وجود نزاع، لضمان استمرار تغطية احتياجاتها الأساسية إلى حين صدور الحكم النهائي، ويؤكد المشروع على استقرار الأحكام بعد مرور سنة من تاريخ فرض النفقة، إلا في حالات استثنائية يُقدِّرها القاضي.
وفيما يتعلق بالأبناء، شدد مشروع القانون على استمرار نفقة الأب حتى انتهاء مراحل التعليم الجامعي، مع مراعاة الحالات الخاصة مثل العجز أو الإعاقة أو استمرار الدراسة، كما ألزمه بتكاليف العلاج والمسكن، لضمان حياة كريمة للأبناء تتناسب مع مستوى معيشة الأسرة، وفي حال اختار الأب لأبنائه نوعاً معيناً من التعليم الخاص، فلا يحق له الرجوع عنه طالما كانت قدرته المالية تسمح بذلك.
كما نظَّم المشروع مسئولية النفقة في حالات غياب الأب أو إعساره، حيث تنتقل إلى الجد الموسر، ثم الأم الموسرة، ثم باقي الأقارب وفق ترتيب الإرث، بما يضمن عدم ترك الأبناء دون رعاية مالية، كما أقر مسئولية الأبناء الموسرين في الإنفاق على الوالدين الفقراء، تعزيزاً لمبدأ التكافل الأسري.
وفي هذا الإطار، أكد النائب أكمل نجاتي، أمين سر لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن مصلحة الطفل تأتي في مقدمة أولويات مناقشات قانون الأسرة، مشيراً إلى أن النفقة التعليمية تمثل التزاماً أصيلاً على الأب بغضِّ النظر عن استمرار العلاقة الزوجية، موضحاً أن صندوق دعم الأسرة سيتولى التدخل في حالات الإعسار أو الوفاة لضمان استمرار الإنفاق، خاصة في ما يتعلق بالمصروفات التعليمية التي تُعد حقاً ثابتاً للطفل لا يجوز تعطيله بعد الطلاق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك