في غمرة الحديث المتصاعد عن حماية الأطفال من" وحش" التكنولوجيا، وتحديد سن أدنى لاستخدام المنصات، ساد اعتقاد ضمني بأن الشخص بمجرد تجاوزه سن الثامنة عشرة، يمتلك فجأة" درعاً واقية" تمنحه الحصانة من أخطار العالم الرقمي.
لكن الواقع الذي نعيشه اليوم يثبت عكس ذلك تماماً؛ ففي مواجهة الخوارزميات المعقدة وهجمات الهندسة الاجتماعية، يبدو أننا جميعاً، كباراً وصغاراً، نقف في خانة" اليافعين" أو المبتدئين.
اضافة اعلانلطالما ركزنا في خطاباتنا الإعلامية والتربوية على أن الخطر يكمن في" عدم نضج الطفل".
لكن، أليس الشخص البالغ هو الأكثر عرضة لعمليات الاحتيال المالي الممنهجة؟ أليس الكبار هم الوقود الحقيقي لانتشار الأخبار الزائفة (Fake News) التي تلعب على أوتار العاطفة والانحياز الفكري؟إن الحقيقة الصادمة هي أن التكنولوجيا تتطور بسرعة تفوق قدرة الدماغ البشري النامي والمكتمل على حد سواء.
فالخوارزميات المصممة لسرقة الانتباه لا تفرق بين طفل يتابع الرسوم المتحركة أو فيديوهات (قد تكون غير بريئة في بعض الحيان) أو ألعاب مصممة للإدمان الألكتروني، وبين طبيب أو مهندس يغرق في" دوامة التصفح" لساعات، مما يؤدي إلى تآكل الصحة النفسية والإنتاجية لدى الجميع.
التهديدات لا تستثني أحداًفي الفضاء الرقمي، تأخذ المخاطر أشكالاً تناسب كل فئة عمرية:الابتزاز والاختراق: إذا كان الطفل مهدداً بالتنمر، فالكبير مهدد باختراق بياناته البنكية وخصوصيته المهنية.
التضليل المعلوماتي: يمتلك الكبار قدرة أكبر على التأثير، ولذلك فإن استهدافهم بمعلومات مضللة يساهم في زعزعة الاستقرار المجتمعي والسياسي.
العزلة الاجتماعية: لم يعد" التوحد الرقمي" حكراً على اليافعين؛ فكم من بيوت امتلأت بأفراد بالغين يجلسون في غرفة واحدة، لكن كل واحد منهم يعيش في" فقاعة" رقمية منفصلة.
وهذا الأمر سمعته كثيراً من أولياء الأمور.
والأغرب ان سمعته من بعض الطلبة يشكون أولياء أمورهم! !!إن حصر" الحماية" في الأطفال فقط يجعل الكبار في حالة استرخاء دفاعي خطير.
نحن بحاجة إلى تغيير المقاربة ليكون الأمان الرقمي حقاً لجميع أفراد المجتمع وباعتقاد يجب أن يشمل ذلك:1.
محو الأمية الرقمية للجميع: يجب أن تستهدف برامج التوعية والتربية الإعلامية كبار السن والموظفين وأرباب الأسر، تماماً كما تستهدف طلبة المدارس.
2.
التشريعات الشاملة: القوانين التي تنظم الخصوصية وتكافح الجرائم الإلكترونية يجب أن تُصاغ برؤية تحمي" الإنسان" بغض النظر عن عمره.
3.
المناعة الذاتية: علينا أن نعترف بضعفنا البشري أمام ذكاء الآلة، وأن نتبنى إستراتيجيات – إن صح التعبير -" الديتول الرقمي" والتقنين الإرادي للاستخدام، ليس خوفاً من التكنولوجيا، بل احتراماً لعقولنا وحياتنا الاجتماعية وحياة من نحب.
ختاماً.
التكنولوجيا ليست مجرد أداة نتحكم فيها، بل هي بيئة نعيش بداخلها.
وكما لا يمكننا إطلاق شخص في بحر هائج لمجرد أنه" بالغ" دون تزويده بسترة نجاة، لا يمكننا ترك الكبار يواجهون أمواج العالم الرقمي دون حماية وتوعية مستمرة.
نحن جميعاً" يافعون" في حضرة الذكاء الاصطناعي وتدفق البيانات، والاعتراف بهذا الضعف المشترك هو الخطوة الأولى نحو مجتمع رقمي آمن للجميع.
*خبير أمن المعلومات والجرائم الإلكترونية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك