راسلني القارئ م.
ك.
ع معبرا عن حيرته إزاء مواقف السودانيين المتباينة حيال دور المبادرات الخارجية في حل الأزمة السودانية.
فمنهم من يرفض أي تدخل للمجتمع الدولي في الشأن السوداني، معتبراً إياه انتقاصاً من السيادة الوطنية.
ومنهم من يرحّب به، بل يراه ضروريا لوقف الحرب ومعالجة أزماتنا.
واختتم القارئ رسالته متسائلا: كيف نتعامل مع المبادرات الخارجية وتدخلات المجتمع الدولي في قضايانا، كالحرب تحديداً؟ أنسمح بها أم نرفضها ونقاومها؟ ومع أنني تطرقتُ لهذا الموضوع عدة مرات من قبل، ومن زوايا متعددة، إلا أن الاستجابةً لسؤال القارئ العزيز، تظلّ واجبة ومفيدة.
وفي مقال اليوم وعدد من المقالات التالية، سأعيد مناقشة الموضوع وأوضح رؤيتي حوله بالتفصيل.
أبدأ مباشرة بالقول بحتمية وموضوعية تدخلات المجتمع الدولي والمبادرات الخارجية في قضايانا وأزماتنا.
وهذه الحتمية والموضوعية تفسرها وتبررها عدة عوامل، ثلاثة منها تتربع على قمتها، وهي:العامل الأول: ويتمثل في حقيقتين موضوعيتين لا تقبلان الجدل أو التجاهل، الأولى أننا نعيش في عالم لا يقبل العزلة والانعزال، وتحكمه قوانين العولمة التي لا فكاك منها، والتي توفر تربة خصبة لتجلي ظاهرة موضوعية وحتمية، تتمثل في ما نشهده من تفاعلات وتداخلات بين مكونات وبلدان هذا العالم.
وهذه الظاهرة الموضوعية الحتمية، دائماً ما تأتي تحت عنوان السعي لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في العالم.
والحقيقة الثانية، رغم أنه لا يوجد في العالم بلد محصن ضد أو مستثنى من الأزمات والكوارث السياسية والاجتماعية، إلا أن البلدان النامية، أو بلدان العالم الثالث، هي مستوطن هذه الأزمات والكوارث، لأسباب معلومة ليس هنا مجال مناقشتها، ومن تَواشُج هاتين الحقيقتين تنبع قناعتنا بحتمية تدخلات المجتمع الدولي في المشهد السياسي في البلدان النامية، ومن ضمنها السودان، كوسيلة لحل النزاعات، وتحقيق السلام، ومنع امتداد التوترات والصراعات إلى خارج الحدود.
العامل الثاني: عندما تشتد حدة التأزم في بلدٍ ما، وتفشل النخَب السياسية الوطنية في معالجة الأزمات التي تعصف به إلى حد تفاقم النزاعات والصراعات السياسية والاجتماعية والإثنية، يضطر المجتمع الدولي عندئذٍ إلى استدعاء التدابير الأممية وقوانين الشرعية الدولية، بهدف التدخل وتقديم الحلول ومحاولة فرض الاستقرار في البلد، ومنع انتقال التوتر خارجه.
ويتجلى هذا التدخل بوضوح في قضايا الحرب والسلام والكوارثالإنسانية، والسودان خير مثال لذلك.
نتوقف هنا لنشير إلى أن التجربة تقول ليس كل التدخلات الدولية حميدة وتتم وفق القانون الدولي وللصالح العام، وإنما وفق منطق القوة والهيمنة والصالح الخاص، وهذا موضوع يمكن مناقشته في مجال آخر.
العامل الثالث: سعي المجتمع الدولي الدؤوب، وخاصة دول «العالم الأول» المحرّكة والقائدة لتفاعلات المجتمع الدولي وتحركاته، لحماية مصالحه الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، والمرتبطة بتحقيق الاستقرار العالمي وتجفيف منابع الإرهاب وضمان انسياب المعاملات الاقتصادية.
لا يوجد في العالم بلد محصن ضد أو مستثنى من الأزمات والكوارث السياسية والاجتماعية، إلا أن البلدان النامية، أو بلدان العالم الثالث، هي مستوطن هذه الأزمات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك