حروب القرن الحادي والعشرين وبرغم مظاهرها التكنولوجية المتطورة الا انها فتحت أسئلة كبرى حول مسألة الحسم الاخير لتلك الحروب، فبرغم التكنولوجيا المؤثرة في مسيرة المعارك الا ان قضية الحسم النهائي للمعارك تقف امام اسئلة مهمة، فعلى سبيل المثال لم تحسم القوات الجوية الروسية حتى اليوم القتال رغم تفوقها الهائل على اوكرانيا في المجال الجوي، بينما استطاعت أميركا وإسرائيل وخلال ايام حسم المجال الجوي لصالحهم بحربهم ضد إيران وبرغم التفاوات بين الحربين فكلاهما لم يحقق النصر فمازالت روسيا تعاني في اوكرانيا وأميركا في إيران وكلاهما محصورتان بين الهزيمة والنصر.
في الحرب الروسية على أوكرانيا كان التفوق الروسي العسكري يمكن احتسابه كعامل حسم كبير ولكنه لم يحقق النجاح، ولذلك لم يحسم الحرب، وفي الحرب الأميركية على إيران تفوق سلاح الجو وانتصر وبرغم ذلك لم يحقق الانتصار، ومن هذه الامثلة في حروب دولية مازالت عالقة، فإنه يمكن القول ان النجاح او الفشل في سماء معارك هذه الحروب لم يحسم الحروب، كما ان نفس النظرية يمكنها ان تنطبق على الارض فإن النجاح أو الفشل على الارض لم يعد عامل حسم للحروب، وهنا يمكن الاستنتاج أن حروب القرن الحادي والعشرين تحمل تعريفا مختلفا للانتصار والهزيمة فبعد مشاركة أقوى قوتين دوليتين في مجال الاسلحة روسيا ضد أوكرانيا وأميركا ضد إيران، ثبت ان المعادلة الدولية فيما يخص تعريف الحروب تتغير بشكل كبير.
برغم القوة التي تتمتع بها أميركا الا أن حسم المعركة عبر الطرق التقلدية لم يتحقق لدولة تمتلك اعتى الاسلحة في العالم، وهذا ما يطرح سؤال هذا المقال كيف حصرت أميركا بين الهزيمة والنصر في حربها مع إيران؟ ، المفهوم المتطور لحسم الحرب لم يعد تقنيا بالدرجة الأولى فالعالم اصبح مفتوحا على بعضه وأصبحت الدول البعيدة والقريبة من ساحات المعارك تساهم في تحديد مسار تلك الحروب، فالانفتاح الدولي اصبح بوابة مهمة في القرن الحادي والعشرين الذي أهم ما سوف يميزه انه القرن الذي سوف يعاد فيها تشكل وبناء منظومة التفوق الدولي.
حروب القرن الحادي والعشرين التي نقلت تقنيات القرن الماضي لم تعد مجدية فمهما كانت الدولة التي تحارب قوية وتمتلك الأسلحة الا ان مسألة حسم المعارك بقيت غير متاحة كما كانت في الماضي، حيث ينزل الجنود الى ارض المعركة ويقومون بغرس علم بلادهم تعبيرا عن النصر، الحروب اليوم اصبحت أقل ارتباطا بالانتصار الحاسم ولكنها أكثر ارتباطا بقدرات سياسية اخرى، وقدرات على ادارة المعركة دبلوماسيا عبر العالم وإظهار التحمل والقدرة على تحوير المعركة لصالح السلام والحوار المشترك واكتساب القدرة على امتصاص الضغوط بما يتجاوز ما يتوقعه الآخرون من القوى الخارجية، المواقف الدولية اليوم لا يمكن تقسيمها بين صقور وحمائم لان الخيارت اليوم اصبحت محصورة فقط بين الواقعية ونقيضها.
حروب القرن الحادي والعشرين اثبتت بشكل مباشر أنه برغم الايمان أن التفوق العسكري مهم للغاية الا أن القدرات السياسية والمسارات الدبلوماسية والتقيد بالقيم الاستراتيجية في مقابل القيم التكتيكية في التعامل مع الاحداث يشكل الانتصار الحقيقي في المعارك الفعلية والمعارك الدبلوماسية.
السلوك الإقليمي والدولي ساهم وبشكل كبير في أن وجدت أميركا نفسها محصورة بين النصر والهزيمة في حربها مع إيران ليس لأنها لا تمتلك السلاح أو العتاد البشري بل لأن الحروب لم تعد الادارة الوحدية لحسم المعارك، فلم تعد العسكرة هي المعيار الوحيد لحسم المعارك، ففي معركة أميركا مع إيران ليست الحدود واضحة؛ فساحة المعركة اكبر مما توقعته أميركا فكل دول الاقليم وقوى دولية بعيدة جغرافيا عن موقع المعركة ساهمت في ان تجد أميركا نفسها عالقة بين الهزيمة والنصر في حربها ضد إيران.
الدرس الأهم من حرب أميركا وإيران يؤكد أن معايير الانتصار في الحروب أصبحت أكثر اتساعا خارج المنظومة العسكرية وعدد الأسلحة والجنود، فكما يبدو للعالم فإن معايير القرن الحادي والعشرين تتحول من قوة التأثير العسكري إلى قوة التأثير الدبلوماسي والسياسي الواقعي المتزن، وهذا ما أثبتته الدول الرائدة في المنطقة التي استطاعت ان تتعامل مع هذه الحرب بواقعية كبرى ساهمت في دفع الأطراف الى طاولة المفاوضات بعيدا عن مسار التدمير العسكري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك