تكافح الأفغانيات في المناطق الريفية من أجل البقاء وسدّ احتياجات أسرهنّ، من خلال الزراعة وتربية المواشي وغيرها من المهن الشاقّة، في ظلّ واقع اقتصادي صعب، وأعراف وموروثات تقيّد حريتهنّ وتصادر قرارهنّ.
في معظم القرى الريفية في أفغانستان، تحمل المرأة أعباءً تتجاوز حدود العمل المنزلي التقليدي، حتى باتت الأعمال الشاقة، مثل الزراعة وتربية المواشي وإنتاج الألبان والأجبان، جزءاً أساسياً من نضالهنّ اليومي حرصاً على بقاء أسرهنّ وضمان العيش الكريم.
وعلى الرغم من المبالغ الكبيرة التي وفّرها المجتمع الدولي على مدى عقدين من الزمن لتحسين ظروف المرأة الأفغانية قبل وصول حركة طالبان إلى الحكم في البلاد، إلا أن الأرياف والقرى تكشف صورةً مختلفة عن دور المرأة ونمط حياتها، بعد أن تحوّلت إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الأسري المحلي، فهي تعمل في الحقول، وتدير الإنتاج، وتساهم في تأمين الغذاء والدخل في آنٍ واحد.
على سبيل المثال، تبدأ حسينه نوري عملها مع أذان الفجر، إذ تخرج مباشرةً بعد الصلاة إلى الحقول الزراعية في إحدى القرى التابعة لمدينة شبرغان شمالي أفغانستان، حيث تمتلك عائلتها ستّة فدانات من الأرض الزراعية بالقرب من المنزل، تتولى حسينه وزوجها رعايتها، حيث يزرعان القمح والسمسم وأنواعاً مختلفة من الخضروات.
قبل خمسة أعوام، كان زوج حسينه يقوم بالجزء الأكبر من العمل الزراعي، غير أنه خضع لاحقاً لعمليتين جراحيتين في ظهره، ولم يعد قادراً على القيام بأعمال شاقّة، ما اضطرّ حسينه، المرأة الأربعينية، إلى ملازمة الحقول طيلة النهار.
فهي لا تملك خياراً آخر، والظروف الاقتصادية لا تُسعفها.
تقول حسينه لـ" العربي الجديد" إنّ الأسرة تعتمد بشكل مباشر على ما تنتجه الأرض، ويُخصَّص جزء من المحاصيل للاستهلاك المنزلي، بينما يُباع الجزء الآخر في الأسواق المحلية لتأمين احتياجات الحياة الأساسية، موضحةً أن العمل الزراعي بات روتينها اليومي، وأن أفراد أسرتها يساعدونها في العناية بالمحاصيل.
وتؤكد حسينه أن المزارعات يواجهن تحديات كبيرة، أبرزها فقدان الرعاية الصحية والنظام الغذائي الملائم، علاوةً على غياب التدريب الزراعي، وعدم وجود أيّ نوع من الدعم في ظل ارتفاع تكاليف البذور والأسمدة الزراعية، مطالبةً الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية بتوفير الدعم اللازم للمرأة الريفية في أفغانستان، وخصوصاً للعاملات في الحقول والأعمال الشاقة.
تعمل زرغونه خير الله، من سكان ولاية هرات غربي البلاد، في زراعة الزعفران، وهو محصول بدأ يكتسب أهمية اقتصادية متزايدة في أفغانستان.
بدأت زرغونه بمساعدة زوجها وشقيقها بعد أن تراكمت الديون على أسرتها.
وتقول لـ" العربي الجديد" إنّها تعبت كثيراً في البداية، ولكن الحاجة أرغمتها على الاستمرار.
وتضيف: " بعد ثلاثة أعوام من العمل، بدأنا نحصد محصولاً جيداً، وقد ساعدنا العائد المادي من مبيع الزعفران في تغطية جزء كبير من مصاريف الأسرة المؤلفة من ستّة أفراد، وكذلك في تسديد جزء من الديون".
وتستدرك زرغونه بالقول: " النجاح الفردي لا يكفي، إذ إنّ كثيراً من المزارعات ما زلن يعانين من صعوبة الوصول إلى الأسواق وغياب الدعم التسويقي".
إلى جانب العمل في الزراعة، ثمّة نساء يعملن في تربية المواشي وإنتاج الألبان، ويواجهن المشاكل نفسها.
ومن بينهنّ راحله معاذ من سكان مديرية شهر بزرك في ولاية بدخشان شمال شرقي أفغانستان.
تملك راحله عدداً من الماعز والأبقار، حيث تبيع حليبها، وتُنتج منها الألبان والأجبان التي تلقى رواجاً في السوق أو لدى الجيران.
تقول راحله لـ" العربي الجديد": " يشكل هذا العمل مورداً ثابتاً يساعدنا في تأمين المصاريف اليومية، إلا أنّه عمل شاق، وعلى مدار الساعة، ولا يوجد أيّ دعم حكومي أو غير حكومي".
وتشير قصص هذه النساء إلى أن الأفغانيات المقيمات في الأرياف يعملن في ظلّ ظروف قاهرة تتّسم بقلّة الموارد وضعف الإمكانات وغياب الخدمات الأساسية في كثير من المناطق.
هنّ لا يواجهن فقط تحديات العمل البدني القاسي، بل يتعرّضن لقيودٍ اجتماعية واقتصادية تحدّ من قدرتهنّ على تطوير مشاريعهنّ الزراعية، أو الوصول إلى التمويل والأسواق بشكل مستقل.
ومع ذلك، تُظهر تجارب حسينه وزرغونه وراحله ومثيلاتهنّ مدى صمود النساء الأفغانيات رغم كلّ المعوّقات، حيث تتحوّل الأعمال الزراعية وتربية المواشي إلى وسائل للبقاء والاستقرار في ظلّ واقع اقتصادي صعب.
وفي تعليقها لـ" العربي الجديد"، تقول الناشطة الأفغانية فائزه عزيز: " إنّ الحديث عن واقع النساء الأفغانيات لا يمكنه أن يغفل حجم الظلم الذي تتعرّض له، وفي نفس الوقت قدرة تلك النساء على الثبات والصمود.
هنّ عندما يزرعن الحقول، يزرعن الأمل، ويكسبن فرصة حياةٍ، سواء لهنّ أو لذويهنّ.
ولكن في الوقت نفسه، لا ننسى قسوة الظروف التي تختبرها تلك النساء، جلّهنّ قد صُودرت إرداتهنّ، ولا يملكن حق تقرير مصيرهنّ أو حتى مصير بناتهنّ أو التعبير عن إرادة تلك الفتيات.
كما أنهنّ يفتقرن إلى الرعاية الصحية والنمط الغذائي السليم.
وفي ظلّ هذه الظروف الصعبة، تصمد النساء الأفغانيات، ويعملن في سبيل لقمة عيشٍ تحفظ كرامة أسرهنّ".
وتوضح الناشطة الأفغانية أن" الأعمال الشاقة وغياب الرعاية الصحية والغذائية المناسبة، كلّها عوامل تساهم في ظهور آلامٍ وأمراض متعددة بين الريفيات في أعمارٍ غير متقدّمة، فضلاً عمّا تواجهه الأفغانيات من ثقل الأعراف والتقاليد، ومصادرة صوتهنّ وإرادتهنّ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك