يقرأ النظام السياسي الحالي في طهران العلاقات الدولية قراءة خاطئة.
المشكلة لا تكمن في هذه القراءة فحسب، بل إن المشكلة الأعمق أنه يسوّق ويبيع هذه القراءة، لنفسه وللمجتمع بأنها استراتيجية.
فالحكم الذي باتت قراراته الكبرى واقعة تحت تأثير الشبكة العسكرية والأمنية للحرس الثوري، لا ينظر إلى العالم من زاوية توازنات القوة الحقيقية، والمصالح الاقتصادية، والتحالفات الإقليمية، وقواعد النظام الدولي، بل من زاوية التهديد، والعمليات، وصناعة الأزمات، واستعراض القوة.
في مثل هذه الرؤية، يتحول كل عنصر قابل للتوتر إلى ورقة رابحة من وجهة نظر طهران؛ فإذا كان مضيق هرمز حساساً، اعتبرت طهران نفسها مالكة لأداة حاسمة.
وإذا اقترب الملف النووي من نقطة خطرة، قرأت ذلك بوصفه تغيّراً في ميزان القوى.
وإذا امتلكت الجماعات الحليفة القدرة على إنتاج الفوضى، سمي ذلك عمقاً استراتيجياً.
غير أن القدرة على إزعاج الآخرين ليست هي القوة المستدامة.
قد تستطيع سلطة ما أن تنتج أزمة، لكنها قد تعجز عن التحكم في نتائجها.
هذه هي الخطيئة المركزية في حسابات النظام الإيراني: الخلط بين الإزعاج والردع.
فالردع الحقيقي لا يتكون إلا عندما يقتنع الطرف الآخر بأن كلفة المواجهة ستكون مؤكدة، وثقيلة، وغير قابلة للاحتمال.
وهذا الاقتناع لا تصنعه الشعارات، ولا المناورات الدعائية، ولا التهديدات المتكررة، ولا العروض العسكرية.
الردع يحتاج إلى بنية، وعقلانية، واستقرار في القرار، وقدرة على البقاء، وإدارة محسوبة للأزمة؛ وهي عناصر لا تظهر كثيراً في سلوك طهران.
الملف النووي هو الساحة الأوضح لهذا الخلل في الحسابات.
فجزء من مراكز القوة في طهران يعتقد أن الاقتراب من إمكان إنتاج سلاح نووي سيغير، تلقائياً، المعادلات لمصلحة النظام.
في هذه القراءة، كل خطوة نحو العتبة النووية تجعل الخصم أكثر حذراً، وترفع كلفة العمل ضد إيران.
لكن الواقع لا يسير دائماً بهذه البساطة.
فالاقتراب التدريجي من الخطوط النووية الحساسة، إذا لم يكن مصحوباً ببنية آمنة، وقرار قابل للضبط، وقدرة على حماية الأصول الحيوية، وإمكان الرد بعد الضربة، قد يرسل رسالة معاكسة تماماً.
في هذه الحالة، قد لا يرى الطرف الآخر اقتراب إيران من العتبة النووية علامة قوة، بل جرس إنذار.
جرس يقول له إن الوقت المتاح لوقف هذا المسار محدود.
وعليه، فإن ما تراه طهران ورقة تفاوض، قد تراه عواصم أخرى سبباً للاستعجال في الاحتواء، أو تشديد الضغط، أو تنفيذ عمل استباقي.
هذه الفجوة بين تصور طهران وقراءة الخارج هي واحدة من أخطر فجوات الحساب في السياسة الخارجية الإيرانية.
والخطأ الآخر هو تبسيط معنى السلاح النووي.
ففي خطاب بعض دوائر السلطة، يبدو الأمر كما لو أن امتلاك قدرة عسكرية محدودة يكفي، وحده، لمنع أي اعتداء إلى الأبد.
لكن السلاح لا يصنع الردع بمفرده.
فإذا لم يكن السلاح جزءاً من شبكة منظمة من القرار، والحماية، ونقل الرسائل، وضبط التصعيد، وإمكان الرد الفعال، فإنه قد يتحول من ضمانة أمن إلى عامل عدم استقرار.
فالواقع أن الردع ليس نتاج الخوف الأعمى، بل نتاج حساب دقيق لدى الخصم.
يجب أن يصل العدو إلى نتيجة مفادها أن ضرب بلد ما سيحمله ثمناً مؤكداً وغير مقبول.
أما إذا كانت بنية القوة في ذلك البلد مضطربة، وأيديولوجية، وغامضة، وانفعالية، ومأزومة الشرعية، فإن تهديداتها لا تصبح بالضرورة رادعة.
بل قد تدفع الطرف الآخر، أحياناً، إلى الاستنتاج المعاكس: ضرورة التحرك مبكراً، وبقوة أكبر، وبإجماع أوسع.
ومضيق هرمز فهم هو الآخر ضمن المنطق الخاطئ نفسه.
فقد ظل النظام في طهران يقدم هذا الممر الحيوي للطاقة كأنه ورقته الأخيرة.
ولا شك في أن هرمز يملك أهمية عالمية، وأن أي توتر فيه سيقلق أسواق الطاقة.
غير أن الأهمية الاقتصادية لممر بحري لا تعوض غياب الردع الاستراتيجي.
هرمز أداة ضغط، لا درع أمن.
يمكنه أن يرفع كلفة الأزمة على الآخرين، لكنه لا يستطيع أن يخفي نقاط الضعف الأساسية في السياسة الخارجية والأمنية الإيرانية.
التهديد المتكرر بهرمز لا يجعل طهران، على المدى الطويل، أكثر قوة، بل يجعل الآخرين أكثر استعداداً ضدها.
فدول المنطقة، والقوى الغربية، والاقتصادات المعتمدة على الطاقة، عندما ترى أن سلطة ما تحول ممر التجارة العالمي إلى أداة تهديد، تتحرك تدريجياً نحو تنسيق أوسع لاحتوائها.
في مثل هذا الوضع، لا يعود هرمز مانعاً للضغط، بل سبباً له؛ ولا يعود ورقة رابحة، بل ملفاً ضد طهران.
هنا يظهر أثر عسكرة السياسة الخارجية الإيرانية.
فبالنسبة إلى البنى الأمنية، تختصر القوة غالباً في القدرة على الضرب، والتهديد، ورفع الكلفة، وإحداث التعطيل.
غير أن السياسة الخارجية ليست ميدان اشتباك فقط.
السياسة الخارجية تعني أيضاً معرفة لحظة التراجع، والحفاظ على قنوات الحوار، وبناء العلاقات، وتخفيف الضغط، وضبط الأزمة، ومنع التوتر من التحول إلى حرب.
لقد أتقن النظام الإيراني صناعة الأزمات، لكنه فشل مراراً في إدارة نتائجها.
من هذه الزاوية، وقعت الأوليغارشية العسكرية والأمنية الحاكمة في إيران في وهم امتلاك اليد العليا.
لأنها تستطيع رفع مستوى التوتر، تظن أنها لا تزال تتحكم باللعبة.
ولأنها تستطيع إقلاق سوق الطاقة، تتصور أن العالم مضطر إلى تقديم التنازلات.
ولأنها تستطيع تعقيد الملف النووي، تعتقد أن الطرف الآخر سيتراجع.
لكن في العالم الحقيقي، لا تكون أداة الضغط ذات قيمة إلا إذا حسنت موقع من يستخدمها، لا إذا دفعته إلى مزيد من العزلة، والعقوبات، والتهديد، والإجماع الدولي ضده.
لقد حول النظام الإيراني، خلال السنوات الماضية، كثيراً من الأدوات التي سماها رصيداً استراتيجياً إلى كلفة استراتيجية.
فالشبكات الحليفة التي كان يفترض أن تكون عمقاً دفاعياً لإيران تحولت إلى مصدر توتر دائم وردود فعل إقليمية.
والبرنامج النووي الذي كان يفترض أن يكون ورقة تفاوض زاد الضغوط الدولية.
وتهديد هرمز الذي كان يفترض أن يقلق العالم، زاد دول المنطقة شكاً في نيات طهران.
هذه ليست مؤشرات قوة مستدامة، بل مؤشرات استهلاك أوراق أدخلت إلى الميدان من دون استراتيجية واضحة.
المشكلة الأساسية لدى النظام في طهران أنه يخلط بين ضجيج القوة والقوة نفسها.
فالقوة الحقيقية تحتاج عادة إلى استقرار، واقتصاد قابل للبقاء، وشرعية داخلية، وعلاقات خارجية قابلة للإدارة، وقرار يمكن حسابه.
أما ضجيج القوة فيعيش على الشعار، والتهديد، وصناعة الأعداء، والمناورة الدائمة.
والحكم الذي يواجه في الداخل أزمة ثقة، يضطر إلى صناعة صورة قوة في الخارج.
غير أن صورة القوة لا تحل محل القوة الحقيقية.
وعليه، فإن مشكلة إيران اليوم ليست نقص أدوات الضغط، بل سوء فهم طبيعة القوة.
لا يزال النظام قادراً على إنتاج كلفة للآخرين، لكن ذلك لا يعني امتلاكه ردعاً مستقراً.
فإذا كان كل تهديد جديد يؤدي إلى عقوبات أكثر، وحضور عسكري أوسع، وارتياب إقليمي أكبر، وإجماع دولي أشد، وخطر مواجهة أقرب، فلا يمكن تسميته استراتيجية.
إنه أقرب إلى السير على حافة الهاوية، مع توهم أن الارتفاع هو القوة.
في النهاية، لا العتبة النووية، ولا القدرة التسليحية المحتملة، ولا مضيق هرمز، تستطيع وحدها أن تصنع الأمن للنظام الإيراني.
هذه الأدوات لا تملك قيمة إلا إذا وضعت داخل سياسة عقلانية، منسجمة، وقابلة للسيطرة.
أما حين يكون القرار في يد بنية ترى في الأزمة رأس مالها السياسي، فإن الأدوات نفسها قد تدفع البلاد إلى موقع أكثر خطورة.
الردع الوهمي قد يطمئن حكام طهران، لكنه مكلف لإيران.
فكلفة الأخطاء الاستراتيجية لا يدفعها القادة الذين يتحدثون من فوق المنابر عن القوة، ولا الشبكات الأمنية التي تظن أن الأزمة قابلة للإدارة، ولا الأوليغارشية العسكرية التي تتغذى من التوتر.
هذه الكلفة تقع على المجتمع الإيراني، والاقتصاد الإيراني، ومستقبل إيران.
قد ينجح «وهم القوة» في إخفاء «صوت الفشل» لبعض الوقت، لكنه في لحظة الاختبار قد يكشف أن البلاد أكثر انكشافاً مما كانت تعتقد السلطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك