»» جريمة الإساءة للوالدين في زمن “السوشيال ميديا“وسط رياح المتغيرات العاتية والموجات الهادرة لغياي المعايير الحاكمة وطغيان القيم المادية، بما تحمله من ثقافات واردة وموجهه هدفها هدم المجتمعات من الداخل وتقويض اركان الاسرة، تبقي قيم الترابط والمودة والتراحم الأسري والمجتمعي هي الحصن الآمن وسفينة الإنقاذ من هذا البلاء العظيم.
ومن الآفات والأمراض التي ابتلي به بعض أبناء هذا الجيل جريمة توظيف منصات التواصل و “السوشيال ميديا” للضغط علي الوالدين لتحقيق منافع خاصة بلا سند قانوني أو أخلاقي، وتعمد الإساءة للوالدين والتطاول عليهم وتسفيه أفعالهم وتجاهل تضحياتهم، والتمرد عليهم وأحيانا “التنمر” بهم.
وتذهب صور “الجحود” للتفتيش في الماضي ونسيان ما قدموه والبحث عن نقائص واتهامهم بالتقصير وتشويه صورهم الذهنية لدي معارفهم وأقاربهم.
وإضافة للقيم الدينية الأصيلة التي تجرم وتحرم مثل هذا الجرائم “الشاذة” التي تتجاوز حدود المنطق والعقل والضمير، فهناك قيم أخلاقيةوإنسانية تحدد شكل وأطر العلاقة الوجودية المقدسة بين الأصل والفرع، وتعلي من شأن طاعة وبر الوالدين التي وضعها الله سبحانه وتعالى في اعلي مراتب الأعمال بعد عبادته والايمان به.
يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.
الاسراء 23.
ومع لعنات “السوشيال ميديا” تزداد الجريمة بشاعة وندوبا لضياع القيمة والمعني والهدف، وباتت عارا يلحق بمن استهان بقيمة الاب أو قيمة الام وأسهم في زرع العداوة والبغضاء لدي العائلات والأقارب، بلا مبرر وروج لقطعية الرحم.
والأمر المحزن أن بعض الشباب ممن نالوا حظا وافرا من التعليم والثقافة يسيرون في طريق الأشواك والتمرد والتعالي علي القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية دون إدراك العواقب الوخيمة، وبدعوي أنهم الأفضل والاكثر علما ودراية وتجربة، وتحت ستار حرية الرأي والتعبير.
ومن ظن أنه أعلم الناس فهو أجهلهم، ومن ظن أنه أعلاهم مقاما وشأنا فهو أدناهم واحقرهم!
ومن محددات وصور الفطرة السوية، أنه كلما ازداد الإنسان علما زاده الله تواضعا وتعقلا وحكمة وإدراكا لنعمه وفضله.
قال تعالي: يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيرًا كَثيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُو الأَلبابِ﴾ [البقرة: 269].
ومعني الحكمة: الفقه في الدين، والعلم النافع، وإصابة الصواب في القول والفعل، ووضع الأمور في موضعها الكثير، ولا ينتفع بهذه الحكمة ويتدبرها إلا أصحاب العقول السليمة.
ويقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾فاطر 28اي العلماء العارفين بالله وبصفاته وقدرته هم أكثر الناس خشية وخوفاً وتعظيماً له.
والخشية تعني المعرفة التي تثمر التقوى، لا مجرد نقل المعلومات، وأن تدرك نعمة الله عليك، وأن تكون عادلا منصفا متواضعا رحيما مع الناس جميعا ومع الوالدين في المقام الأول.
إن فكرة التحرر من النسق المجتمعي والتعالي تقود صاحبها لا محالة إلي طريق الضياع واللاعودة.
وتبقي جريمة الإساءة للوالدين من أبشع الجرائم ونقيصة انسانية من ندبات الواقع الشائك، لأنها تضرب بقوة في أصل الفطرة والرحمة التي الله الناس عليها.
ولا تمثل فعلا مؤذيا… بل كسرا للميثاق الأول في حياة الإنسان ولعهد رسالة إعمار الدنيا إلي أن يلقي الله بقلب سليم.
ولتلك الجريمة ثلاثة أبعاد وزوايا رئيسة “شرعية – القانونية – النفسية والاجتماعية”.
ـ الجانب الشرعي والأخلاقي:الإساءة للوالدين في كل الأديان والثقافات تسمي “العقوق”.
والعقوق ليس من الضروري أن يكون ضربا أو شتما، لكن له اشكال كثيرة منها:-قولية: رفع الصوت، النهر، التأفف، الرد بقسوة، وهي الكلمة التي ذكرها القرآن ذكرها تحديداً: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}.
ـ فعلية: الضرب، الهجر، الطرد من البيت، إهمالهم وقت الكبر والمرض.
ـ مالية: منع النفقة عنهم وهو قادر، أو الاستيلاء على مالهم.
ـ نفسية: التسبب في حزنهم، تفضيل الزوجة أو الأصدقاء عليهم، إحراجهم قدام الناس.
والعقوق من الكبائر، فالوالدان هما سبب وجودك بعد الله.
والبر بهم وطاعتهم شكر لله على النعمة، والعقوق جحود لأصل النعمة.
– الجانب القانوني: ما لا يعلمه البعض في زمن الفوضي الرقمية أنه القانون في معظم الدول العربية يعتبر الإساءة للوالدين جريمة يعاقب عليها، لكن شدة العقوبة تختلف، حسب نوع الإساءة.
* الوصف القانوني والعقوبة التقريبيةـ السب والقذف، كتوجيه ألفاظ جارحة أو اتهامات الغرامة أو حبس من 3 شهور لسنة في أغلب الدول.
ـ الضرب والإيذاء البدني: أي اعتداء جسدي حبس من سنة لـ 3 سنوات وقد تزيد لو أدى لإصابة.
ـ الهجر والإهمال: ترك الوالدين دون رعاية وهم في حالة عجز حبس وغرامة في قوانين حماية كبار السن.
ـ الحرمان من الميراث: ومنعهم من حقهم الشرعي والاحتيال والإفتئات علي حقهم في الحياة والتصرف في ممتلكاتهم والحجر عليهم بدون وجه حق أو مبرر قانوني وشرعي.
وهناك دول أصدرت قوانين خاصة بـ”حماية كبار السن” لتغلّظ عقوبة الإساءة للوالدين وتعتبرها جناية وليست جنحة، مع تحديد خطوط ساخنة للابلاغ عن حالات الإساءة للوالدين.
ـ الجانب النفسي والاجتماعي: ولهذه الجريمة آثار سلبية الوالدين، بالتسبب في حالات من الاكتئاب الحاد، الشعور بالوحدة، انعدام القيمة، تواكبا مع ظروف الضعف جسدياً ونفسياً.
ـ على الجاني: تشير دراسات علم النفس إلي إن الشخص العاق لديه خلل في التعاطف و ميل للعنف في باقي علاقاته، وغالباً يتعرض لنفس العقوبة من أولاده بعدين.
و “كما تدين تدان”.
ـ على المجتمع: العقوق يهز بنية واركان الأسرة، مما يؤثر سلبا علي المجتمع كله، ويعزز الفرقة والتفكك.
ومن أسباب تفشي هذه الظاهرة:– الفقاعة الثقافية: وفقا لسردية “أنا حر في حياتي”، التي تري أن بر الوالدين مجرد قيود وليست واجبا”.
ـ ضعف الوازع الديني والأخلاقي ومن أمن العقوبة أساء الأدب، ومن ثم التمادي في الخطأ والتجاوز.
والخلاصة أن الإساءة للوالدين ليس مجرد جريمة قانونية، بل جريمة ضد الإنسانية تتطلب علاجا ناجعا، ومن قبل الوقايةوالتذكير الدائم بأن البر ليس دينا يجب سداده، إنما استثمار في آخرتك ودنيتك، علاوة عن الحوار المستمر والتنشئة السليمة.
وعلي الجانب الآخر في اعتقادي ضرورة تفهم مشكلات الشباب وأزماتهم النفسية والمادية واستيعاب هموم هذا الجيل المحاصر المشتت من جميع الجهات، فقد امسوا ضحية المتغيرات الأممية وحروب الهوية وإفساد المجتمعات وترسيخ ثقافة الاستهلاك وعدم القناعة وتأجيج الصراع بين الطموحات وما هو متاح.
وتظل الأسرة هو المتحضن الأول للإصلاح والتربية والتقويم ومنبر الحوار لمناقشة كل شارد ومتمرد قبل فوات الأوان.
أما حديث السوشيال ميديا وفضخ ونشر الأسرار والمشكلات فلا طائل منها، سوي التسلية والبحث عن الإثارة و”التعاطف الخبيث” المغرض وخدمة بعض المؤثرين وجلب مشاهدات علي حساب القيم والمبادئ.
واستقرار الأسرة والمجتمع.
وكما تربينا جميعا فقد كنا حريصين علي تقبيل يد أمنا وأبينا، وملاطفتهم والإحسان إليهم كلما ذهبنا طلبا للعلم والدراسة أو بحثا عن عمل، وكان الحصاد الطيب شاهدا، وآثار هذا البر النعمة والبركة ولتوفيق وسعة الرزق، علاوة علي الراحة النفسية والسعادة التي لا تعدلها سعادة في طاعة الله فيهم والتماس الثواب العظيم في الدنيا والآخرة.
وأتصور أنه من الضروري على مستوى الدولة تفعيل دور الإرشاد الأسري والتوجيه وسن تشريعات تضمن عقوبات رادعة، ومراجعة قوانين الأسرة وتضمين نصوص لتغليظ عقوبة الإساءة والتطاول علي الوالدين والأقارب والتشهير بهم علي مختلف منصات التواصل.
ومهما عجزت قوانين الضمائر وقوانين البشر سيظل قانون السماء هو الفيصل والحكم فيما كانوا فيه يختلفون.
ويظل التوجيه القرآني منهاجا قويما، يضمن استقرار الحياة الدنيا، والفوز برضا الله عز وجل.
يقول تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ العنكبوت ٨.
و”الله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون” صدق الله العظيم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك