ليس أخطر ما في المشهد الحالى أن الحرب مستمرة، بل إن الشرق الأوسط بأكمله بات يعيش داخل منطقة رمادية لا أحد يعرف أين تبدأ فيها الحرب وأين تنتهى؟ فالمنطقة لا تبدو أمام سلام حقيقي، ولا أمام مواجهة شاملة مكتملة الأركان، وإنما أمام حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة؛ هدنة رخوة تتخللها الاشتباكات، ومفاوضات تتحرك تحت وقع التهديد، واقتصاد عالمى معلق على إيقاع مضيق يمكن أن يشعل العالم أو يهدئه.
منذ أسابيع، تعيش المنطقة ما وصفته في مقال سابق بـ«حرب بلا حرب».
لا إطلاق نار واسع النطاق، لكن الاشتباكات لم تتوقف.
لا اتفاق سياسى مكتمل، لكن الجميع يتفاوض.
لا انهيار كامل، لكن كل الأطراف تتصرف باعتبار أن الانفجار قد يحدث في أي لحظة.
وفي قلب هذه اللحظة المعقدة، برزت «وثيقة الصفحة الواحدة» التي دفعت بها واشنطن باعتبارها أخطر محاولة سياسية لوقف الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة.
غير أن الساعات الأخيرة كشفت بوضوح هشاشة هذا المسار نفسه، بعدما جاء الرد الإيرانى متأخراً وملتبساً، ثم أعقبه إعلان دونالد ترامب رفضه لما جاء في الرد الإيرانى، لتعود الأزمة مجدداً إلى مربع الانتظار المشحون والتوتر المفتوح.
والحقيقة أن ما تسرب من الوثيقة الأمريكية كان يوحى منذ البداية بأننا لسنا أمام اتفاق سلام شامل، وإنما أمام «اتفاق لمنع الانفجار»، فالمقترح الأمريكى لم يتضمن تفاصيل نهائية بقدر ما طرح إطاراً أولياً يقوم على إعلان إنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، ورفع تدريجى للعقوبات والحصار، مقابل تجميد البرنامج النووى الإيرانى لفترة طويلة، على أن يتم التفاوض لاحقاً على بقية التفاصيل خلال ثلاثين يوماً.
لكن الرد الإيرانى وفق ما رشح من تسريبات متضاربة بين الإعلامين الأمريكى والإيرانى بدا أكثر تعقيداً مما توقعته واشنطن، فطهران لم تتعامل مع المقترح باعتباره مجرد تفاوض حول الملف النووى، وإنما ربطته بحزمة أوسع من الضمانات السياسية والأمنية، تتعلق بعدم عودة الولايات المتحدة إلى استهداف إيران عسكرياً، وإنهاء الحرب في جميع الساحات المرتبطة بها، خصوصاً الساحة اللبنانية، إلى جانب رفض تحويل البرنامج النووى إلى ملف استسلام سياسى كامل.
وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة؛ فالخلاف الحقيقى لم يعد متعلقاً بمبدأ التفاوض نفسه، وإنما بحجم التنازل الذي يمكن للنظام الإيرانى تحمله دون أن يصيب بنيته العقائدية والسياسية في الصميم.
الحديث الدائر أمريكياً يتمحور حول تجميد البرنامج النووى الإيرانى لفترة قد تمتد من 10 إلى 15 عاماً، مع آليات رقابة صارمة، ومناقشات تتعلق بمصير اليورانيوم عالى التخصيب، بل وطرح أفكار لنقله إلى دولة ثالثة أو حتى إلى الولايات المتحدة نفسها.
وبالنسبة للنظام الإيرانى، لا يتعلق الأمر هنا بمجرد برنامج تقنى أو مشروع اقتصادى، بل بأحد أعمدة الشرعية السياسية ورمز مركزى لفكرة «الصمود» التي قام عليها النظام منذ الثورة الإيرانية.
ولذلك فإن أى قبول إيرانى بتجميد طويل الأمد للبرنامج النووى لا يمكن قراءته باعتباره تنازلاً تفاوضياً عابراً، بل باعتباره تحولاً استراتيجياً يمس صورة النظام وهويته ومفهوم بقائه نفسه.
ولهذا كان تأخر الرد الإيرانى مفهوماً إلى حد بعيد، فالمسألة لا تتعلق فقط بالتفاوض مع واشنطن، وإنما بصراع داخلى مكتوم داخل بنية النظام الإيرانى ذاته.
وهذا ما سلط عليه الضوء، وسائل الإعلام الأمريكية والغربية التي عمدت على ترسيخ صورة وجود انقسام داخل مؤسسات الحكم الإيرانية بين تيار براجماتى يميل إلى القبول بالتسوية لتجنب مزيد من الاستنزاف الاقتصادى والعسكرى، وآخر يقوده الحرس الثورى يرى أن القبول بالشروط الأمريكية يمثل بداية تراجع استراتيجى قد يفقد النظام تماسكه وهيبته الداخلية، بينما تتزايد التسريبات المرتبطة بالحالة الصحية لمجتبى خامنئى، وما إذا كان قادراً على إدارة توازنات معقدة بهذا الحجم في لحظة فارقة من تاريخ النظام.
والأزمة الحالية لا تعكس فقط انقساماً داخل إيران، وإنما تكشف أيضاً أزمة متصاعدة داخل واشنطن نفسها لهذا الصراع.
ففي الأيام الأخيرة، بدا أن الإدارة الأمريكية بدورها تعانى حالة ارتباك واضحة.
فترامب بدا متعجلاً لإنجاز اتفاق سريع يمكن تسويقه داخلياً باعتباره انتصاراً سياسياً، خصوصاً مع تراجع شعبيته تدريجياً، وتصاعد الضغوط المرتبطة بالانتخابات المقبلة، والمخاوف من فقدان السيطرة على الكونجرس إذا استمرت الأزمة دون نتائج حقيقية.
وفي الوقت نفسه، بدأت وسائل إعلام أمريكية تتحدث بصورة متزايدة عن نجاح إيران نسبياً في تقليص آثار الحصار البحرى، سواء عبر قنوات ظل لتهريب النفط أو عبر الاستفادة من عمقها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية، فضلاً عن تقارير تتحدث عن استعادة جزء معتبر من قدراتها العسكرية والتسليحية.
وفي خلفية المشهد، يظل العامل الإسرائيلى حاضراً بقوة، فالمكالمة الهاتفية المطولة التي جرت بين ترامب ونتنياهو قبل إعلان رفض الرد الإيرانى مباشرة أعادت مجدداً التساؤلات حول حدود التأثير الإسرائيلى في إدارة هذا الملف، خصوصاً مع استمرار نتنياهو في الدفع نحو إبقاء الضغط العسكرى قائماً، ولو عبر عمليات محدودة أو رسائل استخباراتية وأمنية متفرقة تمنع الوصول إلى تهدئة مستقرة.
ولذلك فإن الأزمة الحالية لم تعد مجرد مواجهة أمريكية إيرانية بالمعنى التقليدى، بل تحولت إلى معركة على شكل النظام الإقليمى نفسه، وربما على شكل النظام الإيرانى والنظام الدولى معاً خلال السنوات المقبلة.
فالولايات المتحدة تدرك أن خنق الاقتصاد الإيرانى وفرض ضغوط مرتبطة بالملاحة والطاقة يضع طهران أمام اختبار بالغ القسوة.
وإيران، في المقابل، تدرك أن قدرتها على تهديد مضيق هرمز تمنحها آخر أوراق الردع الاستراتيجى في مواجهة الضغوط الأمريكية.
أما العالم، فيقف بين الطرفين كرهينة فعلية لهذه المواجهة، فأسواق الطاقة تعيش اضطراباً مستمراً، وسلاسل الإمداد العالمية باتت أكثر هشاشة، بينما تتحرك الصين بصورة متزايدة للضغط نحو تسوية تمنع انفجاراً أوسع يهدد مصالحها الاقتصادية الكبرى في الخليج وآسيا.
في النهاية، لا يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام سلام حقيقى، بل أمام محاولة مؤقتة لإدارة الانفجار وتأجيل الحرب الكبرى.
ولهذا ربما يكون التوصيف الأدق للحظة الراهنة أن المنطقة لا تعيش آمال نهاية الحرب… بل تعيش هدنة هشة فوق فوهة بركان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك