أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكمة من مشروعية الأضحية، مؤكدة أنها من شعائر الإسلام العظيمة التي تحمل معاني الشكر والطاعة والتوسعة على الفقراء والأهل، كما استعرضت موعد تشريع الأضحية وآراء الفقهاء في حكمها الشرعي بين السُّنة المؤكدة والوجوب، مع بيان الأدلة الشرعية لكل مذهب.
دار الإفتاء: الأضحية شكر لله وإحياء لسنة سيدنا إبراهيم عليه السلامقالت دار الإفتاء، إن الأُضْحِيَّة شرعت لِحِكَم كثيرة منها:أولاً: شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه المتعددة، فالله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بنعمٍ كثيرةٍ لا تُعَدُ ولا تُحصى، كنعمة البقاء من عام لعام آخر.
ونعمة الإيمان، ونعمة السمع والبصر والمال؛ فهذه النعم وغيرها تستوجب الشكر للمُنعم سبحانه وتعالى، والأُضْحِيَّة صورةٌ من صور الشكر لله سبحانه وتعالى، حيث يتقرب العبد فيها إلى ربه بإراقة دم الأُضْحِيَّة؛ امتثالا لأمره سبحانه وتعالى، حيث قال جلَّ جلاله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3].
إحياء سنة سيدنا إبراهيم عليه السلامثانياً: إحياء سنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عز وجل بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النحر، وأن يتذكر المؤمن أن صبر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد كان ذلك كله هو سبب الفداء ورفع البلاء، فإذا تذكر المؤمن ذلك اقتدى بهما في الصبر على طاعة الله وتقديم محبته عز وجل على هوى النفس وشهوتها.
التوسعة على الأهل والفقراء من مقاصد الأضحيةثالثا: التوسعة على النفس وأهل البيت، وإكرام الجيران والأقارب والأصدقاء، والتصدق على الفقراء.
وقد مضت السنة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم في التوسعة على الأهل وإكرام الجيران والتصدق على الفقراء يوم الأضحى.
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ).
فَقَالَ رَجُلٌ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ - وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ فَكَأَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم عَذَرَهُ - وَعِنْدِى جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم، فَلاَ أَدْرِى بَلَغَتِ الرُّخْصَةُ أَمْ لاَ، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ - يَعْنِى فَذَبَحَهُمَا - ثُمَّ انْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَذَبَحُوهَا.
أخرجه البخاري في صحيحه.
قال الحافظ ابن حجر في" فتح الباري لابن حجر" (16/ 29): [ قوله فيه: (وذكر هَنَة) -بفتح الهاء والنون الخفيفة بعدها هاء تأنيث- أي: حاجة من جيرانه إلى اللحم].
متى شُرعت الأضحية في الإسلام؟الجواب: شرعت الأضحية في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وهي السنة التي شرعت فيها صلاة العيدين وزكاة المال.
حكم الأضحية بين السُّنية المؤكدة والوجوبالجواب: اختلف الفقهاء في حكم الأُضْحِيَّة على مذهبين:الجمهور: الأضحية سنة مؤكدة للموسرالمذهب الأول: الأُضْحِيَّةُ سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر، وهذا قول جمهور الفقهاء الشافعية والحنابلة، وهو أرجح القولين عند مالك، وإحدى روايتين عن أبي يوسف، وهذا قول أبي بكر وعمر وبلال وأبي مسعود البدري وسويد بن غفلة وسعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وهو المفتي به في الديار المصرية.
استدلال الجمهور بحديث أم سلمة وفعل الصحابةواستدل الجمهور على أن الأضحية سنة مؤكدة بما يلي:1- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّىَ فَلاَ يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا))، أخرجه مسلم في صحيحه.
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((وأراد أحدكم)) فجعله مُفَوَّضا إلى إرادته، ولو كانت الأضحية واجبة لاقتصر على قوله: ((فلا يمس من شعره شيئا حتى يضحي)).
2- وورد أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين؛ مخافة أن يُرَى ذلك واجبا.
أخرجه البيهقي في سننه.
وهذا الصنيع منهما يدل على أنهما عَلِما من رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم الوجوب، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.
الحنفية يرون وجوب الأضحية على القادرالمذهب الثاني: أنها واجبة، وذهب إلى ذلك أبو حنيفة، وهو المروي عن محمد وزفر وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وبه قال ربيعة والليث بن سعد والأوزاعي والثوري ومالك في أحد قوليه.
أدلة القائلين بوجوب الأضحية من القرآن والسنةواستدلوا على ذلك بما يلي:1- قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
قال الكاساني في" بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (10/ 245): [قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: صَلِّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَانْحَرْ الْبُدْنَ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: صَلِّ الصُّبْحَ بِجَمْعٍ وَانْحَرْ بِمِنًى وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَمَتَى وَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ قُدْوَةٌ لِلْأُمَّةِ].
2- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا)) أخرجه ابن ماجه في سننه.
وهذا كالوعيد على ترك الأضحية، والوعيد إنما يكون على ترك الواجب.
3- عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ رضي الله عنه قَالَ شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ فَقَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ)) أخرجه مسلم في صحيحه.
فإنه أمر بذبح الأُضْحِيَّة وبإعادتها إذا ذكيت قبل الصلاة، وذلك دليل الوجوب.
متى تجب الأضحية عند الحنفية؟ثم إن الحنفية القائلين بالوجوب يقولون: إنها واجبة عينا على كل من وجدت فيه شرائط الوجوب (الإسلام – الإقامة – الغنى واليسار.
وزاد محمد وزفر: البلوغ والعقل)، فالأُضْحِيَّة الواحدة كالشاة وسُبع البقرة وسُبع البدنة إنما تجزئ عن شخص واحد.
عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ رضي الله عنه قَالَ شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ فَقَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ)) أخرجه مسلم في صحيحه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك