من لعنات هذه السنوات العصيبة، مشاهدة مؤتمرات دونالد ترامب وخطاباته ورؤية محيطين به مبهورين بقاذوراته.
ولكن لمهنة الصحافة ضرائبها، ومنها متابعة تصريحات الرجل وقراراته والتفكير بكيف انتخبه نصف الأميركيين مرتين.
القصاص يتواصل بالتأسف لنشاطه وحيويته وهو في سنّ التاسعة والسبعين، وفي البال أنه يتناول برغر ماكدونالدز ثلاث مرات أو أربع في الأسبوع، وهي وجبات سريعة لا يُترجم صنفها الغذائي (junk) بالعربية إلا بالخردة أو النفايات.
رغم هذا، لا يهدأ ويعمل أقل بقليل من 20 ساعة في اليوم كما يروي مَن عمل معه.
ألم يكن ممكناً أن تعطي الطبيعة هذه الطاقة لمخلوق مفيد للبشرية؟ لموسيقي أو عالِم أو مفكر أو عامل في مأوى للعجزة أو طبيب أو أي فاعل خير؟النرجسية عند ترامب والسوقية والوقاحة والتخلف والجهل وترويج نظريات المؤامرة والعنصرية ومعاداة العلم والديمقراطية واحتقار البشر وتقديس أخلاق التاجر وعدم الترابط في الأفكار وعدم تصوّر البشر إلا بالجدوى المادية والسطحية والشعبوية كلها في يد، وتحويله ما هو دموي فظيع إلى عابر عادي، في يد أخرى.
فحين يموت دونالد ترامب، كيف يمكن استذكاره؟ بأسوأ ما يكون بالطبع، بأحداث ومواقف طبعت ولايتيه، وحروب وإهانات وقتل وتسبُّب بفقر وموت وخراب حيوات ملايين البشر أو مئات الملايين على الأرجح من المتضرّرين.
لكن فئة أخرى من الناس ستنبش الأثر المكتوب للرجل ورمزه، تلك التغريدة التي كتبها في السابع من الشهر الماضي (إبريل/ نيسان)، وحرفيتها" ستندثر حضارة عند الساعة الثامنة من هذا المساء، ولن تكون لها قيامة".
المقصود كان طبعاً الحضارة الإيرانية، أي قتل 90 مليون إيراني يعرّفون أنفسهم بكونهم أبناء تلك الحضارة وبناتها، والتي كانت ستُباد في وقت الذروة التلفزيونية بتوقيت واشنطن.
والتغريدة الإبادية مرّت أميركياً وعالمياً بلا تنديد يُذكر.
وبدلاً من أن تكون التغريدة الإرهابية محل استفظاع عالمي ربما يدفع ترامب إلى التخفيف من وطأة ما تقيّأه، فُتح الأثير لمناقشة ما إذا كان الرئيس الأميركي سيبيد الإيرانيين وحضارتهم بالفعل كما وعد، وقد وضعت استوديوهات في إسرائيل عدّاداً تنازلياً لمشاهدة إبادة الحضارة مباشرة على الهواء.
لا سبب لاستعادة عبارة كتبها ترامب قبل أكثر من شهر إلا لأنّ كاتب هذه الكلمات يستمع كل يوم إلى ما يتفوه به الرجل ويقرأ ما يكتبه على منصّته" تروث سوشال" ويندب حظّه مثل ملايين آخرين لأنه وُجد في الزمان نفسه مع هذا الكائن وغيره من مسؤولين ممن لا تتسع هذه العجالة لذكرهم.
كيف يكون أقوى رجل في العالم صاحب أقوال مأثورة من نوع: ــ عرّفوني إلى شخص غير أناني، وأعرّفكم عندها إلى فاشِل.
أو: ــ كل شيء في الحياة هو عبارة عن حظ.
أو ــ أعرفُ كلمات.
أملكُ أفضل الكلمات، أو: ــ طالما أنك ستفكّر ففكّر بأمور كبيرة.
المجرمون أصناف.
هناك المجرم التافه مثل ترامب، في مقابل مجرمين يستحقون أن يبادلهم عدوّهم بمشاعر الكراهية.
صحيح أننا لسنا مضطرين إلى المفاضلة ما بين أنواع الدمويين، ولكن هناك من هو، بخلاف ترامب، مؤهّل للتوقف عنده بعد عقود من وفاته وتذكّر أقوال أدلى بها في معرض فهم سياق ومؤهلات عقلية أوصلته إلى منصب ومكّنته من أن يكون مجرماً.
ولا تزال غولدا مئير نموذجاً لهذا الصنف من المجرمين، وهي صاحبة مقولات من نوع" عندما يحين أوان السلام، قد نكون قادرين على مسامحة العرب على قتل أبنائنا، ولكنه سيكون أصعب علينا مسامحتهم على جعلنا نقتل أبناءهم".
أو ذلك الاعتراف بمشكلتها مع النبي موسى الذي" أخذ اليهود أربعين عاماً في الصحراء من أجل جلبهم إلى المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي تبيّن أنه لا يحوي نفطاً".
أو أخيراً جوابها لهنري كيسنجر ذات يوم وقد ذكّرته بأن اللغة العبرية تُقرأ وتُكتب (مثل العربية) من اليمين إلى اليسار، رداً على رسالة كتبها لها بالانكليزية طبعاً، أي من اليسار إلى اليمين، وحرفيتها أنه يعتبر نفسه أولاً أميركياً وثانياً وزير خارجية، وثالثاً يهودياً، أو أولاً إن قُرئت الرسالة من اليمين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك