في وقت يتجه فيه العالم نحو تعزيز كفاءة الموارد المائية، تبرز" الأراضي الرطبة المستحدثة" كحل رائد يعيد للطبيعة دورها في تنقية المياه وتحسين جودتها، والتي يطلق عليها العلماء" كلى الأرض"؛ لقدرتها الفائقة على تصفية المياه، واليوم تتحول هذه الأراضي إلى واقع ملموس في قلب الصحراء المصرية، وتحديداً في" جمعية أحمد عرابي"، كنموذج يحتذى به في إدارة المياه المستدامة.
لطالما سعى المزارعون في جمعية أحمد عرابي بطريق (القاهرة - الإسماعيلية) نحو إيجاد حلول مبتكرة لتعزيز جودة مياه الري المستخدمة في الإنتاج الحيواني والداجني، ومن منطلق الحرص على تقديم أفضل معايير السلامة للثروة الحيوانية، برزت الحاجة لتبني" الحلول القائمة على الطبيعة" (NBS) لتوفير مصدر مائي بديل وفائق الجودة.
من هنا انطلق المشروع التجريبي للأراضي الرطبة المستحدثة، والذي تم تنفيذه بدعم وتمويل من برنامج" هورايزون 2020" (Horizon 2020) التابع للاتحاد الأوروبي، ليقدم حلاً بيئياً واقتصادياً يتماشى مع أحدث المعايير الدولية.
يعتمد المشروع في جمعية عرابي على بناء أحواض رملية مدروسة هندسياً، تُزرع فيها نباتات بيئية محلية مثل" البوص" و" البردي".
تعمل هذه النباتات كمفاعلات حيوية طبيعية؛ إذ تساهم جذورها في تحسين الخصائص الحيوية للمياه والفتك بأي مسببات مرضية قد توجد في المياه المفتوحة، مما يضمن خروج مياه بنقاء فائق وتوازن بيئي مثالي.
وقد أثبتت النتائج نجاحاً مذهلاً؛ حيث تمكنت هذه المنظومة من معالجة 15 متر مكعب من المياه يومياً لكل وحدة، محققة خلوًا تامًا من الميكروبات، مما جعلها مثالية لسقي الماشية والدواجن، وآمنة تماماً لزراعة محاصيل متنوعة مثل الثوم والبصل والسمسم.
لم يتوقف المشروع عند المعالجة الحيوية، بل شهد دمج ابتكارات مصرية خالصة، أبرزها استخدام الري الفخاري أو مايسمى" السقي بالجرة المدفونة" (وهي براءة اختراع مصرية).
وهو نظام ري قديم يعتمد على دفن أوانٍ فخارية مسامية في التربة بجوار جذور النباتات وملؤها بالمياه، وتعمل هذه الأواني بذكاء؛ فهي تنظم خروج المياه بناءً على حاجة التربة، واستطاعت تقليل الملوحة بمقدار 4500 جزء في المليون، فضلاً عن توفير 50% من مياه الري.
ولتعزيز مفهوم الاستدامة، تعمل مضخات المياه في المشروع بالطاقة الشمسية، مما يجعل المنظومة بالكامل صديقة للبيئة ومنخفضة الانبعاثات.
إن الأراضي الرطبة في" عرابي" لم تقدم مياهاً نقية فحسب، بل تحولت إلى نموذج استثماري؛ فنبات" البوص" الذي يتم حصاده دورياً يحقق عائداً اقتصادياً يساهم في تغطية تكاليف التشغيل.
كما تحولت المنطقة إلى واحة خضراء تدعم التنوع البيولوجي وتساهم في خفض درجات الحرارة المحلية، محققة بذلك توازناً فريداً بين الماء والطاقة والغذاء.
إن تجربة جمعية عرابي المدعومة دولياً تفتح الباب أمام آفاق واسعة لتطوير قطاع المياه في مصر.
فضلا عن أن تكلفة هذه الأنظمة الطبيعية لا تقارن بالمحطات الميكانيكية التقليدية، مما يجعلها الخيار الأمثل للمناطق الزراعية والريفية.
لقد حان الوقت لتبني هذا النموذج كاستراتيجية وطنية، وتشجيع الشراكات بين الباحثين والمزارعين وصناع القرار.
فالحل المستدام لتعزيز مواردنا المائية موجود في الطبيعة، وفي قدرتنا على تطويع العلم لخدمة الأرض والإنسان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك