عاد ملف العفو العام لواجهة النقاش السياسي والقانوني في لبنان، مثيراً موجة واسعة من الجدل والانقسام بين القوى السياسية والحقوقية وأهالي الضحايا.
فبين من يرى في العفو خطوة ضرورية لمعالجة الاكتظاظ في السجون وطي بعض الملفات العالقة منذ سنوات، وبين من يعتبره محاولة لتكريس الإفلات من العقاب على حساب العدالة وحقوق المتضررين، ينقسم اللبنانيون حول حدود هذا القانون وأهدافه الحقيقية.
هذا ويشهد البرلمان اللبناني منذ أسابيع نقاشات حادة حول اقتراح قانون" العفو العام"، الذي تقدم به نواب تتضمن مسودته استثناءات من العفو في جرائم محددة، مما أثار موجة اعتراض سياسية وشعبية.
يقول الباحث القانوني المحامي رفيق هاشم في مقابلة صوتية مع" اندبندنت عربية" إن ملف العفو العام يتسم بأهمية كبرى، لأنه يتعلق بمفهوم العدالة نفسه.
ولا شك في أن من حق المواطن أن يطرح أي سؤال حول العدالة أو العفو العام، وأن يتساءل" هل يشكل العفو العام خطوة ضرورية نحو التهدئة والاستقرار، أم أنه مجرد محاولة لتكريس فكرة الإفلات من العقاب؟ "، مشدداً على أنه لا يمكن اختصار الإجابة عن هذا السؤال بكلمة نعم أم لا، فالإجابة يجب أن تبنى على ظروف العفو، وصياغته، ونطاقه، من يشمل؟ ومن يستثني؟ وما الغاية منه؟ وما الضمانات المرتبطة بتنفيذه؟يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويكمل" أما من الناحية القانونية، فنبدأ بالدستور اللبناني، الذي أقر في المادة 53 منه بوجود العفو العام، وميز بوضوح بين العفو العام الذي يصدر بقانون عن السلطة التشريعية، والعفو الخاص الذي يصدر عن رئيس الجمهورية.
كذلك تبرز المادة 150 من قانون العقوبات، التي منحت العفو العام مفعولاً واسعاً جداً، إذ تؤدي إلى إسقاط العقوبات الجزائية الأصلية والفرعية تبعاً لصدور العفو العام"، وتابع" كما تشير المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية إلى قاعدة مهمة مفادها بأن العفو يسقط دعوى الحق العام، أي حق الدولة أو المجتمع في ملاحقة المرتكبين، لكنه لا يجب أبداً أن يمحو حقوق المتضررين الشخصية.
وهنا بيت القصيد: نعم، صحيح من حق السلطة التشريعية أن تتنازل استثنائياً عن حق المجتمع في معاقبة المرتكبين لتحقيق غاية معينة أو مصلحة عامة كبرى، لكن لا يجوز لها أبداً أن تصادر وجع الناس، أو أن تلغي حق الضحية في الحقيقة أو التعويض".
ومما يسبق، يقول الخبير القانوني" العفو العام يشكل امتحاناً جدياً لحكمة السلطة التشريعية، فالمطلوب هو عفو عام دقيق ومحدد، لا عفو فضفاض وغير منضبط.
والمطلوب عفو عام قائم على ميزان حساس ودقيق، يميز بين من يستحق فرصة جديدة للاندماج في المجتمع، وبين من ارتكب جرائم لا يجوز نسيانها أو تجاوزها.
والمطلوب عفو عام يخفف الاحتقان، لكنه لا يسقط هيبة الدولة ولا يخل بميزان العدالة، لذلك فإن السؤال الأدق اليوم هو: أي عفو نريد؟ وهل نريد عفواً يعالج أسباب الأزمة، كاكتظاظ السجون، والتوقيف الاحتياطي، وتعقيدات الإجراءات وأصول المحاكمات؟ أم نريد عفواً يمحو الذاكرة والنتائج، ويترك الأسباب تتفاقم؟ ".
ويختم" صحيح أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على الانتقام، لكنه أيضاً لا يبنى على الإفلات من العقاب.
وبين الانتقام والإفلات من العقاب، هناك طريق ثالث: العدالة الهادئة والرشيدة.
عدالة لا تنفعل، لكنها لا تتنازل عن الحقيقة.
فالدولة القوية هي التي تعرف متى تعفو، وتعرف متى تعاقب.
وهي التي توازن ببراعة بين الرحمة والردع، وبين المصالحة والمساءلة.
وعندها فقط، يصبح العفو العام باباً للاستقرار، لا باباً للهرب من العدالة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك