لعب الأدب والفن دوراً مهماً في الارتقاء بوعي الشعوب وتحفيزها، فكان الشعر والموسيقى والمسرح من أهم عوامل التأثير الوجداني في المجتمعات.
غير أن الرواية «الواقعية» بأقلام عمالقة السرد كان لها الدور الأهم في تثوير الشعوب المقهورة ودعم حركات الكفاح السياسي خلال عهود الديكتاتوريات قبل انفجار الثورات التاريخية في أميركا اللاتينية وروسيا وفرنسا، فكانت الرواية بأبعادها السياسية وعُمق أفكارها كفيلة برصد وتأريخ حياة البؤس والمعاناة، والرافد الأدبي لحركات التنوير الفكرية التي أشعلت بضمائرها الوطنية تلك الثورات العظيمة في التاريخ، فجسّدت بثرائها ملاحم النضال الإنساني من أجل الحرية.
كان المفكرون والأدباء - روائيين وشعراء - في ظلال تلك الثورات الخالدة.
وكانت الشعوب تعيش على مآثرهم الفكرية والأدبية وتحفظ مواقفهم الوطنية في ذاكرة الأجيال.
فتلك الثورات التاريخية نبعت من معاناة الشعوب التي جسّدتها كتابات أدباء غاصوا في أعماق مجتمعاتهم فعبّروا عن جوعها ومكابداتها تحت وطأة أنظمة الجور والعبودية، ما جعل أعمالهم الأدبية خالدة وجعلتهم تلك الثورات خالدين بما كتبوا.
فالثورة الفرنسية مثلاً لم تبدأ من البندقية بقدر ما بدأت من لقاءات المثقفين حين كانت صالونات باريس الثقافية تضج بأفكار «فولتير وبودلير وروسو وديدرو»، وكانت روايات البؤس الإنساني وكتابات الحرية تهز صورة الملك المقدسة في عقول الفقراء.
وحين انفجرت باريس بالجياع والغاضبين، لم يكن الناس يرددون أسماء الجنرالات، بل أفكار الفلاسفة والأدباء الذين أعادوا تعريف الإنسان باعتباره كائناً يمتلك الحق في الحياة والكرامة والتمرُّد على الظلم والطغيان.
في روسيا القيصرية، لم يكن «دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف» مثلاً مُجرّد كتّاب روايات، بل كانوا مرايا ضخمة لروح الشعب الروسي المُعذّب.
فكانت روايات الفقر والروح المكسورة والظلم الطبقي تهيّئ الوعي الجمعي لرفض الاستبداد.
حتى أن الأدب الروسي بواقعيته الاشتراكية سبق الثورة البلشفية بعقود طويلة، وكأن الرواية هناك كانت تنحت الثورة ببطء داخل وجدان الفلاحين والعُمّال والطلبة.
وحين اندلعت الثورة، كانت الشخصيّات الروائية الحزينة قد مهّدت الطريق للإنسان الغاضب في الشارع الروسي!أما في أميركا اللاتينية، فقد تحولت الرواية إلى وطن بديل لشعوب مسحوقة بين الديكتاتوريات العسكرية وهيمنة الفقر.
فكتب «غابرييل غارسيا ماركيز» عن القارة التي يطاردها الجنرالات والموت والفساد، فيما جعل «ماريو بارغاس يوسا وكارلوس فوينتس» الرواية ساحة لمحاكمة الاستبداد السياسي والاجتماعي.
وهناك فعلاً لم يكن الأدب ترفاً ثقافياً، بل مقاومة كاملة ضد القمع، وحينها كانت الروايات والأشعار تُهرّب كما تُهرّب المنشورات السرية، وأصحابها عُرضة للاغتيال أو الاعتقال كما كان يحدث مع «نيرودا» شاعر تشيلي العظيم في عهد الديكتاتور «بينوشيه»!في تلك المراحل التاريخية في حياة الشعوب، لم يكن المسرح أقل تأثيراً من الرواية.
ففي أوروبا الشرقية مثلاً، لعب المسرح السياسي والأغاني الثورية دوراً كبيراً في إسقاط صورة الأنظمة الحديدية.
فكانت القصيدة تخيف السلطة، والمسرحية الساخرة تفضح أجهزة القمع أكثر من بيانات المعارضة نفسها، ذلك لأن الفن يخاطب الإنسان في أعمق طبقاته الشعورية، بينما السياسة تخاطبه بلغة المصالح والشعارات الزائفة!إن الشعوب العظيمة لا تصنع ثوراتها بالسلاح وحده، وإنما تصنعها أولاً باللغة والفكرة والحلم.
فالرصاصة قد تُسقط حاكماً في لحظة اغتيال، لكن الرواية، بعمقها الدلالي، هي التي تُسقط الخوف من داخل الإنسان وتحرره من القيود.
ولهذا بقيت أعمال «فيكتور هوغو وتولستوي وماركيز» حية في ذاكرة البشرية أكثر من أسماء كثير من القادة السياسيين والعسكريين، لأن الأدب لا يوثق الحدث فقط، بل يصنع الروح التي تُنتج الحدث!أما في عالمنا العربي فلعل المأساة تكمن في أنه عاش زمناً طويلاً على طاعة الملوك والسلاطين، يستهلك السياسة أكثر مما ينتج الفكر، ويُتقن الهتاف والنفاق والمديح أكثر مما يُتقن كتابة الإنسان.
لذلك بقيت معظم ثوراته أسيرة اللحظة والانفعال، تنفجر سريعاً ثم تخبو سريعاً، لأنها في الأساس لم تخرج من تراكم فكري وثقافي عميق يصنع وعياً تاريخياً طويل الأمد.
ومن هنا فالأمم التي لا تكتب آلامها بصدق، تعجز غالباً عن تحويلها إلى ذاكرة إنسانية خالدة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك