لا يمكن إنكار أن عودة محمد رمضان إلى شاشة السينما تمثل حدثًا مهمًا لصناعة السينما المصرية؛ فحضور ممثل يمتلك هذا القدر من الكاريزما والقدرة على جذب الجمهور يمنح السوق ثقلًا افتقدته السينما التجارية في فترات كثيرة، بغض النظر عن اختلاف التقييم حول طبيعة اختياراته الفنية.
ولا ننسى أن رمضان، رغم التصاق صورته لدى قطاع واسع من الجمهور بنمط" البطل الشعبي"، سبق أن قدّم تجارب أكثر تنوعًا وتعقيدًا، خصوصًا في" الكنز" بجزأيه، حيث بدا أكثر استعدادًا للذوبان داخل بطولة جماعية والانخراط في عالم درامي أوسع من مجرد استعراض الحضور الفردي.
من هذه الزاوية، تبدو عودته بفيلم تاريخي ضخم الإنتاج مثل أسد خطوة منطقية في مساره، ومحاولة للانتقال إلى مساحة سينمائية أكثر طموحًا على مستوى الشكل والنوع.
وكما الحال مع رمضان، تحمل عودة المخرج محمد دياب إلى السينما المصرية دلالتها الخاصة أيضًا.
فمنذ" 678" و" اشتباك" ارتبط اسم دياب بمشروع سينمائي يسعى إلى التقاط التوترات الاجتماعية والسياسية داخل الواقع المصري، مع حس بصري واعٍ ورغبة واضحة في تقديم صورة محلية قادرة على مخاطبة جمهور عالمي.
وبعد تجاربه الدولية الأخيرة، بدا طبيعيًا أن يرتفع سقف التوقعات تجاه فيلم تاريخي بهذا الحجم، خصوصًا مع اجتماع عنصرين يثيران الفضول معًا: نجم جماهيري بحجم محمد رمضان، ومخرج يمتلك خبرة تقنية وبصرية متقدمة مثل محمد دياب.
لكن اجتماع الاثنين داخل فيلم تاريخي يظل تحديًا بالغ الحساسية؛ فالسينما التاريخية عملية معقدة لتحقيق توازن صعب بين جاذبية الحكاية من جهة، والقدرة على خلق عالم يقنع المتفرج بصدقه الداخلي من جهة أخرى، مع التأكيد على أهمية عناصر الملابس القديمة والديكورات ضخمة في المعادلة.
وكلما اقترب الفيلم من زمن حقيقي محدد، تضاعفت مسؤوليته تجاه بناء هذا العالم، ليس بوصفه" نسخة طبق الأصل" من التاريخ، بل باعتباره قراءة درامية تمتلك حدًا أدنى من المنطق والوعي بالسياق الذي تستعيره.
فيلم" أسد" يختار فترة شديدة الثراء والتقلب من تاريخ مصر في منتصف القرن التاسع عشر، تمتد تقريبًا من تداعيات مرحلة ما بعد معاهدة لندن 1840 وحتى السنوات التي سبقت مشروع حفر قناة السويس في 1860.
وهي مرحلة مزدحمة بالتحولات السياسية والاجتماعية: انحسار مشروع محمد علي الكبير، وتبدل موازين القوى، واتساع أنماط القهر الاجتماعي من تجنيد وسخرة وضرائب وعبودية، فضلًا عن شبكة معقدة من العلاقات بين المصريين والسودانيين والعثمانيين والشوام والأوروبيين.
وتوفر هذه المادة الثرية وقودًا كافيًا لإنتاج عشرات الحكايات المختلفة.
وفي رأيي أن المشكلة الأساسية في" أسد" تكمن في الطريقة التي تعامل بها مع هذه الفترة، وليس في اختياره لها.
فالفيلم يبدو -منذ بدايته تقريبًا- منحازًا بوضوح إلى بناء الصورة متفوقًا على انشغاله ببناء عالم درامي متماسك.
ولذا أعتقد أنه يصبح من المنطقي أن نبدأ تقييمه من هذه النقطة تحديدًا.
يحقق الفيلم على المستوى البصري قدرًا واضحًا من النجاح.
يثبت محمد دياب مرة أخرى امتلاكه لعين إخراجية طموحة، واعية بأهمية التفاصيل داخل الكادر، وقادرة على إدارة المشاهد الكبيرة بكفاءة ملحوظة.
ويظهر الجهد الحقيقي جليًا في خلق عالم يبدو واسعًا ومزدحمًا وقاسيًا، خصوصًا في مشاهد المحاجر والأسواق ومواجهات العبيد والحراس.
وتتجلّى براعة دياب خصوصًا في إدارة الكتل البشرية داخل الصورة؛ وتتجاوز المجاميع دورها كخلفية صاخبة، لتتحول أحيانًا إلى عنصر درامي قائم بذاته.
ينبع إحساس الفوضى والعنف والاختناق داخل بعض المشاهد أساسًا من طريقة توزيع الأجساد وحركة الكاميرا داخل الفضاء، متفوقًا على تأثير الحوار نفسه.
يواكب مدير التصوير أحمد بشاري (شيكو) هذه الرؤية عبر تكوينات واسعة وزوايا محسوبة تمنح العالم امتدادًا بصريًا مقنعًا، ويحافظ مونتاج أحمد حافظ، في أغلب الوقت، على إيقاع متماسك داخل مشاهد الحركة والمعارك، متجنبًا الوقوع في فوضى القطع السريع التي تصيب كثيرًا من الأفلام الضخمة بالارتباك.
وفي السياق ذاته تعد الديكورات التي صممها أحمد فايز، والملابس التي نفذتها ريم العدل، من أبرز نقاط قوة الفيلم أيضًا.
خامات الأقمشة، درجات الألوان، ملمس الجدران، أدوات التعذيب والأسلحة، جميعها تخلق بيئة بصرية خشنة ومتسقة مع عالم يقوم أساسًا على القهر والعنف وتجارة البشر.
وبينما تنجح موسيقى هشام نزيه في لحظات كثيرة في تعميق التوتر ومنح بعض المشاهد ثقلًا شعوريًا حقيقيًا، فإنها تتحول أحيانًا إلى وسيلة تعويضية مفروضة من الخارج؛ وتبدو بعض المقاطع الموسيقية مستخدمة لفرض الإحساس بالمأساة أو البطولة في لحظات افتقدت للعمق الكافي في السيناريو للسماح بتولد هذا الإحساس طبيعيًا.
ورغم هذا التماسك البصري العام، تظهر بعض الفجوات التقنية بوضوح، خصوصًا في عدد من مشاهد المؤثرات البصرية.
حيث يكشف مشهد إلقاء الأطفال في النيل، على سبيل المثال، تفاوتًا واضحًا بين المادة المصورة واقعيًا والمعالجة الرقمية، ويبدو الانتقال بينهما منفصلًا عن النسيج البصري العام للفيلم، ويفقد المشهد قدرته على تعزيز لحظة التصديق قاطعًا إياها.
ومع ذلك، يحتفظ الجانب البصري بمكانته كأكثر مناطق الفيلم تماسكًا وإقناعًا؛ وينجح «أسد» في بناء ملحمة بصرية تمتلك طموحًا حقيقيًا، ولكنها في الوقت نفسه تتستر خلف هذه الصورة المبهرة على هشاشة أكبر على مستوى البناء الدرامي.
تفاوت واضح بين التقمص والكاريزماتضع ضخامة الصورة في الأفلام التاريخية عبئًا إضافيًا على الممثلين؛ ويصبح لزامًا على الأداء ملء الفراغات المتروكة في السيناريو، ومنح الشخصيات عمقًا يتجاوز حدود الكتابة نفسها.
وتظهر في" أسد" فجوة واضحة بين ممثلين استطاعوا خلق حياة داخل شخصياتهم، وآخرين ظلوا أسرى حضورهم الخارجي أو ارتباك الكتابة.
محمد رمضان نفسه في دور" أسد"، بذل جهدًا واضحًا للخروج من صورته التلفزيونية المعتادة، وغامر جسديًا وحركيًا في مشاهد القتال والتمرد، وحاول الاقتراب من شخصية مكسورة ومقهورة متجنبًا نمط “البطل المنتصر” التقليدي.
ونجح فعلًا في الكثير من اللحظات في منح الشخصية قدرًا من الألم الداخلي والكرامة المجروحة، وهو ما يتناسب مع قدراته التمثيلية الكبيرة.
ولكن ظهر هذا الجهد نفسه بشكل مبالغ فيه في لحظات أخرى، كانت فيها صورة" محمد رمضان النجم" حاضرة ومزاحمة للشخصية.
أعادت بعض الانفعالات وطريقة نطق الجمل وحضور الجسد داخل الكادر التذكير بأنماط الأداء المرتبطة بصورته الجماهيرية، وبدت الشخصية في لحظات معينة امتدادًا معدلًا لشخصيات القوة والاستعراض السابقة، مبتعدة عن ملامح العبد المسحوق الذي يكتشف تدريجيًا معنى التمرد.
وفي رأيي أن المسؤولية هنا مشتركة بين الممثل والمخرج؛ فالأمر كان يحتاج إلى إدارة أكثر صرامة لكبح حضور النجم لصالح الشخصية.
وعلى مستوى شخصية الغريم يقدم علي قاسم، في دور" يكن"، أحد أفضل أداءات الفيلم وأكثرها نضجًا.
حيث بنى الشخصية عبر التفاصيل الصغيرة متجاوزًا الاستعراض، ومعتمدًا على نظرات مترددة، ولغة جسد مرتبكة، وتوتر داخلي دائم.
ليخلق شخصية تبدو مأزومة وممزقة من الداخل.
نجح كذلك كل من عمرو القاضي وإيمان يوسف، وبدرجة أقل إسلام مبارك، في استثمار المساحات المتاحة لشخصياتهم، وإضفاء قدر من الحيوية والصدق عليها.
بينما في رأيي قدم الممثل الكبير كامل الباشا أداءً أقل عمقًا مما تسمح به إمكانات الدور، فقد مثّل شخصية مكتوبة على قدر كبير من التعقيد، تحمل تناقضات إنسانية واسعة وتجمع بين الأب، والسيّد، والشريك في منظومة قهر، والرجل الممزق بين نوازع متعارضة.
ولكن -للأسف- استقر الأداء عند السطح السردي للشخصية، عاجزًا عن النفاذ الحقيقي إلى صراعاتها الداخلية، وشكلت اللهجة المصرية ارتباكًا واضحًا له، وهو ما وقف حائلًا كذلك بيني وبين أدائه في" كولونيا"، على العكس من الأفلام الفلسطينية التي يتألق فيها تألقًا كبيرا على كل المستويات.
أما حضور ماجد الكدواني وأحمد داش فأرى أنه يرتبط بأزمة الكتابة متجاوزًا مسألة الأداء.
فالفيلم يقدم شخصية “الوالي” التي أداها الكدواني بوصفها شخصية متخيلة تستعير ملامح عصر محمد سعيد باشا، حيث تجنبت الكتابة التسمية المباشرة، وقدمت كذلك شخصية “الأمير” التي أداها داش بوصفها امتدادًا دراميًا لهذا العالم السياسي.
بالطبع يمتلك الفيلم حق ابتكار شخصياته وإعادة تركيب الواقع تاريخيًا، ولكن تبرز المشكلة في رغبة السيناريو في الاستفادة من رهبة الشخصيات التاريخية وشكلها الواقعي، وفي الوقت نفسه يجردها من التعقيد السياسي والإنساني الضروري لجعل أفعالها منطقية ومقنعة داخل الحكاية.
يظهر هذا الارتباك بوضوح في عدد من القرارات الدرامية المتأخرة، خصوصًا في النهاية، وتبدو تصرفات الوالي مدفوعة بحاجة السيناريو إلى إنهاء الصراع، ومفتقرة لأي انبثاق من تطور نفسي حقيقي للشخصية.
أما حضور رزان جمال فيمثل في رأيي التأثير الأقل بين الشخصيات الرئيسية.
وتمتد المشكلة هنا لتشمل طريقة كتابة الشخصية نفسها إلى جانب الأداء؛ وتبدو «ليلى» أقرب إلى “وظيفة درامية” منها إلى إنسانة كاملة.
ويظهر تكوينها اللغوي والثقافي داخل العالم غير مقنع؛ ويفترض الفيلم معيشتها معظم حياتها في مصر، بينما تعجز لغتها وطريقة حضورها عن عكس أثر البيئة المحيطة بها، لتبدو الشخصية معلقة خارج الزمن والمكان معًا.
التاريخ كخلفية.
بين الإلهام والاستعارة الجاهزةفي رأيي أن المشكلة الأساسية في" أسد" تتجاوز مسألة الالتزام الحرفي بالتاريخ؛ فالسينما بطبيعتها، وبعيدًا عن الجمود الأكاديمي، تملك حق اختزال الوقائع ومزجها وإعادة تركيبها.
ولكن يطرح السؤال الحقيقي نفسه حول قدرة الفيلم على توظيف التاريخ لتقديم رؤية أكثر عمقًا، وحجم تحويله إلى مجرد خلفية شكلية لحكاية جاهزة.
ويبدو الفيلم في كثير من اللحظات منجذبًا بوضوح نحو الخيار الثاني.
السيناريو الذي كتبه محمد وخالد وشيرين دياب، ينطلق من ثيمة مألوفة عالميًا تتناول قصة شاب إفريقي يُختطف من موطنه، ويُستعبد، ويدخل في رحلة مقاومة وتمرد.
وتمثل هذه الثيمة مسارًا مألوفًا يمتلك مقوماته، ولكنه يزداد تعقيدًا حين يُزرع داخل سياق مصري محدد زمنيًا وجغرافيًا.
المشهد الافتتاحي يلخص هذه الإشكالية بوضوح عبر تقديم قرية إفريقية، وهجوم مسلح، وخطف أحد الأطفال بالقوة، ثم سفينة شراعية ضخمة وعنبر مكتظ بالأجساد السوداء المقيدة بالسلاسل.
وهذه الصورة البصرية تستدعي مباشرة الأيقونة السينمائية المرتبطة بتجارة العبيد عبر الأطلسي، والراسخة عالميًا عبر عشرات الأفلام الغربية.
بالتأكيد يتضمن التاريخ الفعلي للمنطقة النقل البحري وشبكات تجارة الرقيق العابرة للمياه عبر طرق البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
ولكن في رأيي أن الفيلم استعار المخيال البصري الغربي الخاص بالعبودية كما هو تقريبًا، متحاشيًا أي محاولة جادة لإعادة تشكيله داخل خصوصية السياق المصري في القرن التاسع عشر، حيث كانت تجارة الرقيق المرتبطة بمصر تقوم بدرجة أساسية على شبكات برية ونيلية معقدة داخل السودان ووادي النيل.
وتتجاوز هذه النقطة “الاستعارة البصرية الجاهزة” محاولة تقديم قراءة جديدة للتاريخ.
بينما يتجنب الفيلم الغوص الفعلي في تعقيدات علاقة مصر بالرق في تلك الفترة، مستخدمًا الرق كثيمة عالمية مألوفة يسهل التعاطف معها بصريًا وإنسانيًا.
وربما هذا ما يجعل التاريخ داخل الفيلم مجرد ديكور ضخم للحكاية، مفتقدًا لكونه نسيجًا حيًا يحدد منطق الشخصيات والعالم.
المجتمع الغائب.
اختزال مصر في صورة الجلادمن مشاكل الفيلم الكبرى في رأيي طريقة تصوير المجتمع المصري نفسه كأحد الجوانب الشديدة الإشكالية في الفيلم.
فالفيلم يختزل المصريين تقريبًا في صورتين: تجار عبيد، وسادة يمارسون القهر والتعذيب.
وتمثل هذه المشكلة أزمة درامية وتاريخية في المقام الأول، متجاوزة التقييم الأخلاقي أو الدفاعي، فهذا الاختزال يفرغ المجتمع المصري في ذلك الزمان من طبقاته وتعقيداته، ويجعل العالم المحيط بالشخصيات يبدو مصطنعًا وفقيرًا.
ففي هذه المرحلة عاشت قطاعات واسعة من المصريين أنفسهم واحدة من أكثر الفترات التاريخية قسوة، حيث عانوا من السخرة، والتجنيد الإجباري، والضرائب، والقهر الطبقي، وانهيار أحوال الفلاحين.
والفيلم كان فرصة ربط مأساة العبيد السود داخل مصر ببنية قهر أوسع تشمل فئات متعددة من المجتمع، لدمج العبودية كجزء من نظام استغلال متشعب، متجاوزًا فكرة المأساة المعزولة التي يعيشها الغرباء وحدهم.
ولكن يتجنب السيناريو هذا التعقيد بالكامل، ويبني عالمًا مغلقًا يدور بين القصور وأسواق النخاسة والمحاجر، مغيبًا الحضور الحقيقي للمجتمع المصري بوصفه مجتمعًا حيًا مليئًا بالتناقضات والضحايا والجلادين في الوقت نفسه.
فتظهر مصر أحيانًا داخل الفيلم كفضاء قاسٍ ومجرد، مفتقدة لملامح المجتمع التاريخي المتشابك.
الخط الرومانسي.
الميلودراما بدل التعقيد الاجتماعيالقوالب الجاهزة التي اعتمد عليها الفيلم في أحيان كثيرة تظهر بوضوح كذلك في الخط الرومانسي للفيلم الذي يجمع بين" أسد" و" ليلى"، كما مال السيناريو إلى تبسيط العلاقات المعقدة داخل العالم الذي يقدمه.
وعوضًا عن تحول العلاقة إلى مساحة لاستكشاف التوترات العرقية والطبقية والاجتماعية في مجتمع شديد الحساسية، جاءت العلاقة أقرب إلى خط ميلودرامي جاهز.
وقفزت العلاقة فوق مراحل كثيرة يُفترض أنها شديدة التعقيد داخل هذا السياق التاريخي الجغرافي، متجاهلة البناء التدريجي عبر مسار واضح من التقارب أو التواطؤ أو التمرد.
وتم تقديم قرار الزواج بين البطلين -رغم ما يحمله من خطورة اجتماعية- بسرعة وبساطة تفتقدان الإقناع الدرامي، وكأن الشخصيات تتحرك متحررة من القيود الفعلية للعالم الذي تعيش فيه.
وفي رأيي أن هذا الخط العاطفي كان يمتلك إمكانية التحول إلى مدخل ثري لفهم المجتمع والعلاقات بين الأعراق والطبقات والجندر في تلك اللحظة التاريخية، ولكنه انتهى به الأمر إلى تحويل الصراع الأوسع إلى مواجهة شخصية ضيقة بين رجل وغريمه على امرأة وطفل.
ويمتد هذا الارتباك إلى تفاصيل صغيرة شديدة التأثير، مثل أخطاء الراكور المرتبطة بعمر الطفل في المشاهد الأخيرة، وتؤثر هذه الأخطاء، رغم بساطتها الظاهرية، بقوة على إحساس المشاهد بوحدة الزمن الداخلي للحكاية.
تفكك الحبكة.
دوامة التمرد والقمععلى المستوى البنائي، يعاني الفيلم من مشكلة واضحة في تصاعد الصراع.
فالسيناريو يعتمد بصورة متكررة على البنية نفسها: قهر متزايد، احتقان، تمرد، قمع، ثم العودة إلى نقطة قريبة أو مشابهة لما سبق.
وتكمن الأزمة في طبيعة هذه الانفجارات المتكررة وعجزها عن ترك أثر حقيقي على العالم أو الشخصيات.
حيث تبدو كل ذروة كمشهد مستقل لاستعراض القدرة الإخراجية على إدارة المعارك، مفتقدة القدرة على أن تكون نقطة تحول تغير مسار الحكاية فعليًا.
وبالتالي يبدأ التوتر تدريجيًا في فقدان تأثيره؛ لإدراك المتفرج المسبق بوضوح أن الانفجار التالي سيقود غالبًا إلى النتيجة نفسها تقريبًا.
يضاف إلى ذلك أن كثيرًا من تحولات الشخصيات وقراراتها المصيرية تأتي من دون تمهيد نفسي كافٍ، فتبدو مدفوعة بحاجة السيناريو إلى تحريك الأحداث أكثر من انبثاقها الطبيعي من تطور الشخصيات نفسها.
رغم كل ما يمكن توجيهه إلى الفيلم من ملاحظات تتعلق بالبناء الدرامي أو التعامل مع التاريخ، يبقى من المهم الاعتراف بأن" أسد" ينحاز بوضوح إلى فكرة إنسانية نبيلة في جوهرها: حق الإنسان في الكرامة، ورفض تحويل البشر إلى أدوات أو سلع أو أجساد قابلة للبيع والإهانة والسحق.
وهذه الفكرة تمنح الفيلم، في لحظاته الأكثر صدقًا، قدرًا حقيقيًا من القوة العاطفية، خصوصًا حين ينجح في التقاط الإحساس البدائي بالفقد والقهر والرغبة في استعادة الحد الأدنى من الإنسانية المسلوبة.
كما أن اختيار بطل أسود مستعبد في فيلم ملحمي مصري بهذا الحجم يحمل، في حد ذاته، محاولة لفتح مساحة ظلت نادرة نسبيًا في السينما العربية للتعامل مع ملف الرق والعنصرية والهيمنة بوصفها جزءًا من تاريخ المنطقة، لا مجرد موضوعات بعيدة تخص الآخرين.
لكن المشكلة أن الفيلم، وهو ينحاز أخلاقيًا إلى قضية الكرامة الإنسانية، يظل يحصر هذا الانحياز داخل دائرة أضيق مما كان يمكن أن يبلغه.
فالعالم الذي تدور فيه الأحداث كان أيضًا زمنًا مثقلًا بأشكال متعددة من السحق الإنساني: فلاحون يهربون من التجنيد الإجباري، وعمال يُساقون إلى السخرة في المشروعات الكبرى، وطبقات مسحوقة تعيش تحت وطأة الضرائب والعنف والسلطة، إلى جانب العبيد وتجار الرقيق والجنود والمهمشين بمختلف صورهم.
وكان يمكن للفيلم، لو امتلك رؤية اجتماعية أوسع، أن يحول حكاية" أسد" إلى نافذة على بنية قهر كاملة يعيش داخلها الجميع بدرجات متفاوتة، لا أن يبدو الأمر أحيانًا وكأن المأساة تخص فئة واحدة معزولة عن بقية المجتمع.
عندها فقط كان يمكن لفكرة الكرامة الإنسانية أن تتجاوز بعدها الفردي أو الفئوي، لتصبح سؤالًا أشمل عن معنى الحرية والعدالة والإنسانية داخل عالم كامل يقوم على القهر.
يبقى" أسد" فيلمًا طموحًا بصريًا إلى حد بعيد، ويكشف عن قدرة إنتاجية وتقنية نادرة نسبيًا داخل السينما المصرية المعاصرة، لكنه في الوقت نفسه يظل مثالًا واضحًا على الفجوة التي يمكن أن تنشأ حين تتقدم الصورة كثيرًا على الدراما، وحين يتحول التاريخ إلى خلفية ملحمية جميلة، من دون أن يتحول فعلًا إلى عالم حي نابض بالتناقضات والناس والأسئلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك