يسرد لنا التاريخ الغابر قصصا وحوادث جمّة عن مفهوم “التضحية” التي عكست نبل الإنسان بروحه وماله وجهده ووقته وكل ما يملك؛ تحقيقًا لهدف أسمى أو غاية نبيلة أو نصرة حقّ أو.
إلخ، فكان خير ما ضُربت به أروع الأمثلة، لسلفنا الصالح من الصحابة والتابعين من بعدهم، ممّن تجلّت فيهم الروح الصادقة في البذل والعطاء، وبرزت من بينهم شخصيات جسّدت ذلك المفهوم في صور من الفداء الحقّ، ومنهم – مثالًا لا حصرًا - ابن عمّ النبي (ص)، ذلك الشاب الذي أظهر إيمانًا عميقًا وشجاعةً فائقة وإقدامًا فريداً في مواقف عديدة وأدوار حاسمة، حيث كانت للإمام علي (ع) بطولات تاريخية ترجمت معاني التّضحية والفداء بأدق تفاصيلها، في ليلة الهجرة على فراش النبي (ص)، وقتله ابن عتبة في “بدر”، وثباته في “أحد”، ومبارزته لابن ودّ في “الخندق”، وحتى فتحه حصن “خيبر”.
وأنه وبالرغم من تغيّر الأزمنة والدهور، إلا أنّ قيم التّضحية تلك تبقى كي تعكس أبعاد النبل الخالص، ولاسيّما في أولئك الذين يحرُسون أوطانهم من الأعداء.
فهي إذا ما اختصّت على سبيل الأوطان حسب موازين التّضحية؛ فإنّها تبقى حاضرة بقوة عبر إسهامها في تشكيل ملامح الحضارات الإنسانية وتخليد بطولات الشعوب الوفيّة، بعد أنْ تغدو بمواقفها الصادقة، منارة مضيئة بالمثابرة والإيثار، ومُحفزّا مُشبَعًا بالحميّة والذّود عن حياض الأوطان بغاليها ونفيسها، في سجلات العزّة والشرف، وفق سياقات الفرد والجماعة التي غالبًا ما تحمل أبعادًا من العظمة المتسامية بين الأجيال القادمة على منهاج الحبّ الغريزي للأوطان وفطرته من مهد الصبا، إلى مدرج الخُطى، فمرتع الطفولة، حتى ملجأ الكهولة.
عبر التاريخ القديم والحاضر وما سيتلوه، تبقى التّضحية بالنفس والمال والعرض حقا محتّما للأوطان، وأحد الرموز العميقة التي تبوأت أعلى درجات الوفاء ومراتب الكرامة التي تَبني المجتمعات البشرية وتصون القيّم الإنسانية، حيث لم تكن – أي التّضحية للأوطان - يومًا مجرد فعل عابر يُسطرّه الكائن البشري في أيّة بقعة على وجه الأرض، بجملة مواقف تاريخية مشهودة، بل هي نبراس حقق الأمن وصنع الاستقرار على منهاج ثابت يبني مستقبل الأوطان المزدهرة ويُرسّخ نهضتها الحضارية في فضاءات من النماء والتطور التي تسعى السعي الحثيث، كدأب أهل البحرين مجتمعين في شكيمتهم – أي في قوة قلوبهم – ممّا كان له بالغ الأثر في حفظ قوة التماسك الاجتماعي، وعامل النجاح المحقّق في مواجهة التحديات، ومكالبة الصمود قبال المحن والشدائد، وهو عينه ما درج عليه الخلف الطامح من السلف الصالح في هذا الوطن الولّاد بالعطاءات والخيرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك