كنت أحاول كتابة مقالة عن مشاكل النوم عند الناس بمختلف الأعمار، ولكن بعد عمليات البحث والتقصي وجدت أن اضطرابات النوم مهملة في مجتمعاتنا ولا تأخذ حقها الوافر من العناية والاهتمام، بالرغم من أهمية النوم!ولم تعد هذه من المشاكل البسيطة كما يعتقد البعض، والمصابون بها تتراوح نسبتهم ما بين 25 % إلى 50 %، ومن تجاوزوا الـ 65 من العمر، وقد تصل النسبة إلى 75 % من البشر! وإلى ما يعادل 850 مليون شخص في العالم ممن يعانون من المشاكل المتفرقة! مثل النوم الخفيف والاستيقاظ المبكر، وصعوبة العودة إلى النوم.
وقد كان يُعتقد في السابق أنها تصيب كبار السن فقط! ولكنها أصبحت الآن منتشرة ما بين الشباب والمراهقين بشكل واسع بسبب استخدام الهواتف والضوء الأزرق لساعاتٍ طويلة، وكثرة استخدام المنبهات، إلى جانب التوتر والقلق على المستقبل، سواء في أيام الدراسة أو المهنة وسرعة إيقاع الحياة!ولكن وكما هو معروف هي تصيب كبار السن بدرجاتٍ أكبر، وعلاجها يصبح أكثر تعقيدا وقد يعود ذلك إلى العوامل البيولوجية مع كبر السن لأسبابٍ متعددة مثل الخلل في بعض الهرمونات، والأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري وآلام المفاصل والأعصاب وأمراض القلب.
إلخ، واستخدام الأدوية المتعددة ومساوئ الآثار الجانبية منها! والقلق النفسي والخوف والوحدة والفراغ بعد التقاعد، ومن الأشياء التي تزيد الإحساس باليأس عندما يفقد النوم بسبب الخوف من الليل ونشوب حربٍ نفسية متواصلة، وتكرار التجربة لتحويلها إلى مرضٍ مزمن،واضطرابات النوم في هذه المرحلة لها تأثيرات خطيرة على السلامة الجسدية والعقلية، فالنوم كما هو معروف ليس رفاهية خاصةّ في هذه الأعمار، إنما عملية حيوية ضرورية يحتاجها الجسد والدماغ للتوازن اليومي، حيث تستعيد الخلايا كل أنشطتها لترتيب المعلومات الذهنية والانفعالات، وتصبح أشدها من الإرهاق العصبي وضعف التركيز والتوازن مع مزاجٍ متعكر إلى الأمراض الجسدية المتنوعة إذا تأخر الانتباه إليها وإذا لم تُعالج في بداياتها.
أما العلاج في هذه المرحلة يكون أكثر تعقيداً، ومن أكثر المواضيع الطبية تعقيداً، فالحقيقة في صعوبة التشخيص لكثرتها، حيث يجب اللجوء إلى أخصائي مشاكل النوم، والذي ظهر في السنوات الأخيرة، ولكنه لم ينتشر كثيرا بسبب عدم الإعلان عنه، (لا أعرف سبب ذلك النقص في تخصص بتلك الأهمية! )، وهو الذي بإمكانه تشخيص مجموعة من الأسباب الرئيسة للاضطرابات، وإعادة تدريب الدماغ على النوم، وتنظيم العوامل النفسية والجسدية بالبحث والتدقيق، مع استخدام الأدوية بشكل مدروس، حيث إن حبة النوم قد تساعد كثيرا في تهدئة القلق وتحسين النوم ولكنها لا تكون دائما الحل الأوحد، حيث لها بعض المضار والتي تسبب بعض الخمول وزيادة خطر السقوط وضعف التركيز والذاكرة.
وفي اعتقادي أنه وبعد كل هذا الشرح من الضروري مساهمة الجهات الصحية بنشر الوعي بطرق أكثر، وزيادة أو تأسيس عددٍ من المراكز العلاجية لمشكلات النوم وبطرقٍ أكثر حداثة لجذب من يعانون منها إلى العلاج المبكر لإنقاذ المجتمع وتصحيح مسار المبتلين بهذا المرض الغامض بالنسبة إلى تعاملات كثيرين معه بالإهمال، ووضعه في المسار الصحي الأمثل، وأن يعامل مثل معالجة الأمراض المزمنة ودون حياء أو خجل! لإنقاذ الكثيرين ممن يعانون اضطرابات النوم ولا يعرفون كيفية الإنقاذ، فينقذون أنفسهم من ورطته.
* طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك