منبر نور مقالات من بطون كتب ونبض الواقعفي التاريخ الاقتصادي الحديث، لا توجد معجزة حقيقية اسمها الحظ.
الأمم لا تنهض صدفة، ولا تسقط فجأة.
ووراء كل انهيار مزمن أخطاء تتكرر حتى تصبح كأنها قدر.
لهذا، حين نتأمل تجربة دول شرق آسيا من جهة،وتجارب الدول الريعية من جهة أخرى،نشعر أننا لا نقرأ اقتصادًا فقط،بل نقرأ دراما إنسانية كاملة:وكيف تتحول الثروة أحيانًا من نعمة إلى فخ كبير؟كانت كوريا الجنوبية دولة مدمرة بالحرب، فقيرة الموارد، بالكاد تستطيع إطعام شعبها.
لم يكن في ظاهر الأمور ما يوحي بأن هاتين الدولتين ستصبحان لاحقًا من رموز النهضة الاقتصادية في العالم.
لكن الذي حدث أن قادة تلك المرحلةفهموا مبكرًا أن الثروة الحقيقية ليست تحت الأرض،حين يقرأ المرء كتاب من العالم الثالث إلى العالم الأول لـ لي كوان يو، يشعر أن سر نهضة سنغافورة لم يكن مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل مشروع انضباط ووعي وبناء دولة.
لي كوان يو لم يَعِد شعبه بالمعجزات،بالعمل، بالقانون، بالنظافةوبإدارة لا تعرف المجاملة.
كان يرى أن الدولة إذا تراخت في العدالة والانضباط،فلن ينفعها ميناء ولا تجارة.
كتب بوضوح أن أخطر ما يواجه الدول الصغيرة ليس الفقر،وعلى تعليم يجعل المواطن قادرًا على المنافسة عالميًا.
لم تكن سنغافورة تبحث عن الثروة السهلة،ومع الزمن، تحولت الجزيرة الصغيرة إلىليس لأنها أغنى من غيرها في الموارد،بل لأنها أحسنت إدارة ما لديها.
وفي كوريا الجنوبية، تتكرر الفكرة نفسها بصيغة أخرى.
ففي كتابات كثيرة عن التجربة الكورية،خاصة الدراسات المرتبطة بالتصنيع والتنمية،يظهر بوضوح أن الدولة هناك لم تكتف بالشعارات الوطنية،لبناء الصناعة والتكنولوجيالم يكن الطريق سهلًا، بل كان قاسيًا أحيانًا، لكنه كان واضح الاتجاه: الاستثمار فيهناك دول امتلكت النفط والذهب والموارد الهائلة،لكنها بقيت تدور في أزمات لا تنتهي.
هنا يظهر ما سماه الاقتصاديونوهي الفكرة التي ناقشها كثير من الباحثين،حيث أوضحت أن بعض الدول الغنية بالموارد تقع في فخ الاعتماد على دخل سهل يأتي من الخارج،دون بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي.
حين تعتمد الدولة على مورد واحد،فإنها كثيرًا ما تفقد الحافز لتطوير الصناعة والزراعة والتعليم.
يصبح الاقتصاد معلقًا بأسعار النفطويصبح المجتمع نفسه أقل ارتباطًا بالإنتاج الحقيقي.
ويضعف الابتكار، وتتحول الثروة إلى باب للصراع بدل أن تكون بابًا للتنمية.
والمفارقة العجيبة أن بعض الدول الفقيرة بالموارد أصبحت أكثر استقرارًا وازدهارًا من دول غنية جدًا،فقط لأنها اضطرت إلى الاعتماد على عقل الإنسان بدل الاعتماد على ما تحت الأرض.
وهنا تتجلى الحكمة العميقة التي كررها كثير من المفكرين الاقتصاديين:الموارد قد تساعد على النهضة،الذي يصنع النهضة حقًا هو الإنسانإذا جمعنا بين تجربة آسيا وتحذيرات كتب الاقتصاد الريعي،نخرج بحقيقة مؤلمة لكنها ضرورية:التنمية ليست مشروع مبانٍ شاهقة فقط،ولا أرقامًا في تقارير رسمية،وتحترم القانون، وتحترم العمل المنتج.
الدول التي تنجح ليست دائمًا الأذكى،والأكثر قدرة على تحويل الفكر إلى مؤسسات.
ومن هنا نفهم لماذا فشلت خطط كثيرة في العالم النامي رغم الأموال الضخمة.
لأن المال وحده لا يبني حضارة.
وإلى أخلاق عامة تجعل الإنسان يشعر أن له دورًا في البناء،لا مجرد انتظار نصيبه من الريع.
في منبر نور، ونحن نقرأ هذه التجارب من بطون الكتبأن يحول المأساة إلى نهضة،بينما حوّل آخرون الثروة إلى عبء؟هذا السؤال ليس أكاديميًا فقط،لأن الأمم، مثل البشر، لا تتقدم بما تملك فقط، بل بما تعرف كيف تستخدمه.
وربما لهذا السبب، تبقى الكتب العظيمة حية.
لأنها لا تعطينا أخبار الأمس فقط،متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك