أولئك المحاربون الذين تحولوا من شعوب تعيش على أطراف الجليد في شمال أوروبا إلى قوة بحرية وعسكرية غيرت تاريخ القارة الأوروبية.
واستهل أحمد الغندور الحلقة بمشهد أسطوري يجمع الملك الإنجليزي" إيلا أوف نورثمبريا" بأسيره الشهير" راغنار لوثبروك"، أحد أبرز أبطال الفايكنج، بينما كان الأخير يواجه الموت وسط الثعابين متحديا سجانه بعبارة شهيرة: " الخنازير الصغيرة ستصرخ عندما تعلم كيف مات الخنزير الكبير العجوز".
وأوضح البرنامج أن الصورة النمطية عن الفايكنج باعتبارهم مجرد قتلة متعطشين للدماء ليست دقيقة بالكامل، إذ كانوا أيضا مستكشفين وبحارة وتجارا وسياسيين، نجحوا في بناء نفوذ واسع انطلاقا من بيئة قاسية وفقيرة الموارد في شبه الجزيرة الإسكندنافية.
ووفق الحلقة، فإن جذور صعود الفايكنج تعود إلى القرن السادس الميلادي، حين شهدت أوروبا أزمة مناخية حادة بسبب انفجارات بركانية ضخمة حجبت الشمس وأدت إلى مجاعات واسعة تركت أثرا عميقا في الذاكرة الجمعية لشعوب الشمال.
ومع تحسن المناخ في القرن الثامن وازدياد أعداد السكان، بدأت الموارد تنفد في المناطق الإسكندنافية، ما دفع كثيرين إلى البحث عن الثروة خارج حدودهم، لتظهر فكرة الغزو البحري والنهب وسيلة للبقاء.
وأشار البرنامج إلى أن كلمة" فايكنج" لم تكن تشير إلى شعب بعينه، بل إلى نشاط أو مهنة مرتبطة بالغارات البحرية، بحيث يمكن لأي إسكندنافي أن يصبح" فايكنجا" بمجرد مشاركته في حملات النهب عبر البحر.
وسلطت الحلقة الضوء على العقيدة الروحية التي حكمت مجتمع الفايكنج، حيث كانت الأساطير الإسكندنافية تمجد الموت في المعركة باعتباره الطريق إلى" فالهالا"، وهي الجنة التي يُستقبل فيها المحاربون الشجعان بعد موتهم.
وبين البرنامج أن هذه الثقافة جعلت الموت بالسلاح شرفا عظيما، بينما كان الموت الطبيعي يُنظر إليه باعتباره موتا عاديا أو مخجلا أحيانا.
كما استعرض الدحيح البنية الاجتماعية للفايكنج، موضحا أنها لم تكن فوضوية كما تصورها الأفلام، بل كانت قائمة على نظام طبقي واضح يبدأ بالملك والنبلاء، ثم الأحرار من محاربين وتجار ومزارعين، وينتهي بطبقة العبيد.
وتحدثت الحلقة أيضا عن مؤسسة" ذا ثينج"، التي مثلت شكلا مبكرا من البرلمانات، حيث كان الأحرار يجتمعون للتصويت على القوانين ومراجعة قرارات الحكام.
ومن الجوانب اللافتة التي تناولتها الحلقة مكانة المرأة في المجتمع الإسكندنافي، إذ أوضح البرنامج أن النساء كن يتمتعن بحقوق متقدمة مقارنة ببقية أوروبا في ذلك الزمن، مثل حق التملك والميراث وطلب الطلاق.
وأشار الدحيح إلى أن النساء كن يُدِرن المزارع والتجارة أثناء غياب الرجال في الحروب، كما تناولت الحلقة الجدل حول" محاربات الدرع"، قبل أن تستشهد باكتشاف قبر المحارب الشهير" بي جيه 581" في السويد، والذي أثبت تحليل الحمض النووي أنه يعود لامرأة محاربة.
وخصص البرنامج جزءا مهما من الحلقة للحديث عن" السفينة الطويلة"، التي اعتبرها السر الحقيقي وراء توسع الفايكنج.
وأوضح أن تصميم السفينة اعتمد على تقنية" كلينكر" التي تقوم على تركيب ألواح الخشب فوق بعضها، ما منحها مرونة كبيرة في مواجهة الأمواج، إضافة إلى غاطس منخفض يسمح بالإبحار في المحيطات والأنهار الضحلة معا.
كما مكن الشراع الفايكنج من قطع مسافات بحرية هائلة والوصول إلى مناطق بعيدة لم تكن مأهولة سابقا بالنسبة للأوروبيين.
واعتبرت الحلقة أن عام 793 شكل نقطة التحول الكبرى في تاريخ الفايكنج، عندما هاجموا دير" لينديسفارن" شمال إنجلترا، وهو أحد أهم المراكز المسيحية في ذلك الوقت.
ولأن الفايكنج لم يكونوا مسيحيين، لم يعيروا قدسية المكان اهتماما، فقتلوا الرهبان ونهبوا الذهب والمجوهرات وحتى أغلفة الكتب المزخرفة، لتبدأ بعدها مرحلة عرفت تاريخيا باسم" عصر الفايكنج".
ومع مرور الوقت، لم يكتفِ الفايكنج بالغارات، بل بدأوا الاستيطان في الأراضي التي غزوها، خاصة في بريطانيا، حيث قاد" إيفار الكسيح" ما عرف بـ" الجيش الوثني العظيم" انتقاما لمقتل والده راغنار.
وتمكن الفايكنج لاحقا من السيطرة على مناطق واسعة وتحويل مدينة" يورك" إلى مركز تجاري عالمي يربط بين الصين وبغداد والأندلس.
وفي واحدة من المفارقات التي تناولتها الحلقة، أوضح البرنامج أن الفايكنج لم يكونوا متسخين كما تصورهم الأعمال السينمائية، بل كانوا يهتمون بالنظافة الشخصية بصورة لافتة.
واستشهد الدحيح بمذكرات الراهب" جون أوف والينجفورد"، الذي كتب أن النساء الإنجليزيات كن يفضلن رجال الفايكنج لأنهم يستحمون بانتظام ويستخدمون الأمشاط وأدوات العناية الشخصية.
وتتبعت الحلقة اتساع نفوذ الفايكنج خارج أوروبا الشمالية، إذ وصلوا إلى البحر المتوسط بقيادة" بيورن آيرون سايد"، كما أسس القائد" روريك" سلالة حكمت القبائل السلافية وأصبحت لاحقا نواة الدولة الروسية.
أما غربا، فقد تحدث البرنامج عن" إيريك الأحمر" الذي اكتشف جرينلاند، وابنه" ليف إريكسون" الذي وصل إلى أمريكا الشمالية قبل كريستوفر كولومبوس بنحو خمسة قرون.
وأشار البرنامج إلى أن عام 1066 يعد النهاية الرسمية لعصر الفايكنج بعد مقتل الملك" هارالد هارد رادا" في معركة" ستانفورد بريدج"، لكن الفايكنج في الحقيقة لم يختفوا، بل اندمجوا تدريجيا داخل المجتمعات الأوروبية وتحولوا من قراصنة إلى ملوك ونبلاء.
واستشهدت الحلقة بشخصية" رولو"، الذي أصبح دوق" نورماندي"، قبل أن يخرج من نسله لاحقا" ويليام الفاتح" الذي غزا إنجلترا وغير تاريخها السياسي.
واختتم الدحيح الحلقة بالتأكيد على أن تاريخ الفايكنج ليس مجرد قصة دماء ونهب، بل حكاية بقاء وفضول بشري وقدرة على تحويل الفقر والجليد إلى قوة صنعت واحدة من أكثر الحضارات تأثيرا في التاريخ الأوروبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك