لم تعد العنصرية الصريحة قادرة على العبور بسهولة في المجال العام، فهي مكشوفة ومنبوذة، وقد تكلّف صاحبها حظرًا من المنصات أو ملاحقة قانونية أو خسارة جمهور أوسع.
لذلك، وجد اليمين المتطرف في التلاعب بالمصطلحات طريقًا أكثر مراوغة، يعيد من خلاله تغليف خطاب الإقصاء والتحريض بلغة تبدو للوهلة الأولى نقاشًا سياسيًا عاديًا عن مواضيع على غرار الهجرة والهوية والأمن أو محاربة" التطرف الإسلامي".
خطاب اليميني تومي روبنسونوفكّت صحيفة" بايلاين تايمز" البريطانية جانبًا من هذه الشفرة، عبر تتبع خطاب الناشط اليميني" تومي روبنسون"، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، والذي أسس عام 2009" رابطة الدفاع الإنكليزية" المعروفة بعدائها للمسلمين.
يحظى روبنسون بحضور واسع داخل أوساط اليمين المتطرف البريطاني كصوت تعبوي قادر على تحويل خطابه الرقمي إلى حشود في الشارع، بعدما جمع ملايين المتابعين على منصات التواصل وقاد مسيرات ضخمة ضد الهجرة في لندن.
وراجعت الصحيفة أكثر من 140 منشورًا على حسابه في منصة" إكس"، الذي يتابعه أكثر من 1.
9 مليون شخص، بين يناير/ كانون الثاني 2024 ومايو/ أيار 2026.
وخلصت إلى أن خطابه لا يستهدف" التطرف الإسلامي" وحده كما يدّعي، بل يستخدم معاداة الإسلام كغطاء لخطاب تفوق أبيض وعنصرية ضد السود والمهاجرين غير البيض.
وبحسب التحقيق، يستخدم روبنسون كلمة" السكان الأصليين" للإشارة إلى البيض، بينما يصف المهاجرين واللاجئين غير البيض بـ" الغزاة"، في ثنائية تجعل البيض أصحاب البلد وغيرهم خطرًا ديمغرافيًا وأمنيًا.
كما يوظف عبارة" لندن الحديثة" للسخرية من العاصمة البريطانية المختلطة عرقيًا، وكأن التنوع حوّلها إلى بلد غريب.
ورصدت الصحيفة أن مفردات مثل" إفريقي" و" صومالي" لا تظهر في منشوراته إلا مرتبطة تقريبًا بالجريمة أو الاحتيال أو العنف أو استنزاف الدولة، بما يجعل استهدافه للصوماليين، وهم في غالبيتهم مسلمون وسود، مثالًا واضحًا على دمج العداء الديني بالعنصرية العرقية.
وتتوقف الصحيفة عند مصطلح" إعادة الهجرة"، وهو تعبير تستخدمه حركات قومية بيضاء في أوروبا للمطالبة بطرد المهاجرين وأبنائهم، حتى لو كانوا مقيمين قانونيًا أو مواطنين، وتربطه بنظرية" الاستبدال العظيم" التي تزعم أن هناك خطة متعمدة لاستبدال سكان القارة البيض بمهاجرين غير بيض.
كما رصد التحقيق تعبيرات أكثر حدّة في منشورات روبنسون، بينها وصف المهاجرين بـ" الغزاة وأبنائهم"، وهو تعبير يوسّع دائرة الاستهداف من الوافدين الجدد إلى أجيال لاحقة وُلدت أو نشأت في أوروبا.
ويستخدم أيضًا أوصافًا مثل" الطفيليات" التي تنزع الإنسانية عن المستهدفين، ومصطلح" نزع الأسلمة" الذي يحوّل العداء للإسلام إلى برنامج سياسي.
وترى الصحيفة أن روبنسون يحاول تحصين نفسه من تهمة العنصرية عبر إبراز مؤيدين غير بيض في تجمعاته، أو مخاطبة جماعات هندوسية وسيخية، في أسلوب يُعرف بـ" التوكينيزم"، أي استخدام أفراد من الأقليات كواجهة دفاعية لإثبات أنه ليس عنصريًا.
وتخلص الصحيفة إلى أن روبنسون، الذي كان عضوًا سابقًا في الحزب الوطني البريطاني ذي الخلفية النازية الجديدة، لم يتخلّ عن جوهر خطاب التفوق الأبيض، بل أعاد تغليفه بلغة تبدو أكثر قبولًا سياسيًا.
هذه اللغة تستبدل التصريحات العنصرية الصريحة بمصطلحات عن" الأمن" و" الهجرة" و" الهوية" و" مواجهة الإسلام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك