ثقافة نعم.
ما الذي تحدثه في المؤسسات (2)بعد أن تحدثنا في مقالنا السابق عن مظاهر ثقافة نعم وتأثيرها على المؤسسات، اليوم نسلط الضوء على كيف نوازن بين احترام القيادة وتشجيع النقد الصريح دون أن يتحول الأمر إلى فوضى؟ تعد الموازنة بين الهيبة القيادية والنقد الصريح شعرة فاصلة تتطلب مهارة عالية في هندسة الثقافة المؤسسية.
فالهدف ليس إلغاء الهرمية، بل جعلها مرنة بما يكفي لاستيعاب الحقيقة.
لتحقيق هذا التوازن دون الانزلاق إلى الفوضى، يمكن للقادة اتباع مجموعة من الاستراتيجيات، نجملها في ما يلي: 1.
التفريق بين نقد الفكرة ونقد الشخص، يجب أن يرسخ القائد قاعدة تنظيمية مفادها أن الأفكار ليست مقدسة، لكن الأشخاص محترمون.
عندما يطرح شخص نقداً، يجب أن يوجه النقاش نحو البيانات والنتائج المتوقعة بدلاً من: »من قال ماذا»، هذا يحول النقد من «هجوم شخصي» إلى «تحليل موضوعي».
2.
مأسسة النقد، تحدث الفوضى عندما يكون النقد بلا توقيت أو سياق.
الحل هو خلق قنوات شرعية للنقاش والحوار وإدارته بحكمة وهدوء.
يمكن تخصيص وقت لنقد الأفكار والمشاريع وتمحيصها.
يمكن القائد أن يخصص 10 دقائق في نهاية كل اجتماع تحت مسمى «صوت التحدي»، حيث يُسمح فيها بالاعتراض الصريح دون أي تبعات.
3.
قاعدة «النقد المقرون بالبديل» لضمان عدم تحول الأمر إلى ثقافة تذمر أو فوضى نقدية لا سقف لها، يجب على القائد وضع شرط تنظيمي: «يُقبل النقد الصريح بشرط أن يتبعه اقتراح أو تصور أولي للحل».
هذا يفرز «الناقد البناء» من «المعترض لمجرد الاعتراض»، ويحافظ على زخم العمل.
جميل أن يفهم الفريق أن أقصى درجات احترام القائد هو حمايته من اتخاذ قرار خاطئ.
والقاعدة هنا: «إذا كنت ترى خطأً وتسكت، فأنت تغش القيادة ولا تحترمها».
عندما يتحول النقد إلى «فعل ولاء» للمؤسسة، ينكسر حاجز الرهبة وتختفي الفوضى لأن الجميع يعمل لمصلحة المؤسسة لا لمصلحة الأنا.
واحدة من أهم الممارسات هي بناء الأمان النفسي.
بناء الأمان النفسي في المؤسسات: بناء الأمان النفسي (Psychological Safety) ليس مشروعاً يتم إنجازه في ليلة وضحاها، بل هو بيئة تُبنى من خلال أفعال يومية متسقة تجعل الموظف يشعر بأن ثمن الصدق أقل بكثير من ثمن «الصمت».
وفيما يلي مجموعة من التقنيات التي تساهم في بناء الأمان النفسي وتشجع الموظفين على التعبير عن آرائهم: أولا: تقنية «المساحة الآمنة « بدلاً من انتظار المبادرة من الفريق، يبادر القائد بطلب النقد والآراء والأخرى بشكل صريح.
قد تكون إحدى الأفكار، الطلب من أعضاء الفريق كتابة سبب واحد منطقي لفشل هذه الفكرة على ورقة مجهولة الهوية، ثم اجمع الأوراق ومناقشتها علانية.
ثانياً: اعتماد تقنية، «اشرح لماذا».
رد فعل القائد على أول خطأ يُعرض عليه هو ما يحدد مستقبل الأمان النفسي في الفريق.
فعندما يقول موظف «لا» أو يعترض، استبدل جملة «لماذا تعترض؟ » بجملة «أشكرك على رأيك، أريد أن أفهم وجهة نظرك».
ثالثاً: تدريب الفريق على «مهارات الاختلاف» فالأمان النفسي لا يعني الفوضى، بل يعني الرقي في الاختلاف.
هنا القائد يبدأ في تدريب الفريق على استخدام صياغات ذكية للاعتراض مثل: « أتفق مع الهدف النهائي للمشروع، لكن لدي تحفظ على الوسيلة المقترحة لسببين.
» أو « أخشى أن يؤدي هذا المسار إلى المخاطر التالية.
، هل فكرنا في بديل يقلل من هذه المخاطر؟ » لتكن الغاية من هذه التدريبات هي منحهم الأدوات اللغوية التي تمكنهم من قول «لا» بجرأة دون خدش الاحترام القيادي.
رابعاً: عقد «جلسات التعلم من الأخطاء» يستطيع القائد أن يحوّل الفشل من مناسبة للوم إلى فرصة للنمو والتعلم.
يمكن للقائد أن يخصص وقتاً دورياً لمناقشة ما لم ينجح في المشاريع السابقة بكل شفافية.
وقد يكون هو القدوة من خلال الاعتراف عن قرار اتخذته بنفسك واكتشفت لاحقاً أنه لم يكن الأفضل.
فالغاية هنا هو إظهار «التواضع القيادي» الذي يكسر حاجز الخوف لدى الفريق.
ختاماً، مجتمعنا مجتمع يحترم ويقدر التقاليد المؤسسية ويعطي لقيمة احترام الكبار – سنا ومقاماً – قيمة رفيعة.
مع ذلك، نحن بحاجة إلى خلق بيئة عمل توازن بين الاحترام القيادي والتفكير الناقد المستند إلى الحقائق والأدلة.
دور القائد هو خلق هذه البيئة الفعالة الممزوجة والغنية بالثقة في إبداء الرأي الصحيح والمحافظة على جو التقدير والوقار.
@hussainhalsayed.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك