فى زمن تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والغذائية عالميا، وتتصاعد فيه المخاوف من أزمات المياه والطاقة وسلاسل الإمداد، تخوض الدولة المصرية واحدة من أهم معاركها الاستراتيجية: معركة البناء والإنتاج وتأمين المستقبل.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع «الدلتا الجديدة» الذي افتتحه الرئيس عبدالفتاح السيسي صباح اليوم، باعتباره ليس مجرد مشروع زراعي عملاق، وإنما مشروع دولة متكامل يعكس رؤية سياسية أدركتْ أنّ الأمن القومي المصري يبدأ من الأرض والمياه والغذاء.
لقد جاءت كلمة الرئيس السيسي في هذه المناسبة واضحة وحاسمة، حين أكد أن ما تحقق في «الدلتا الجديدة» لم يكن ليتحقق إلا بإرادة دولة قررت أن تواجه التحديات بالفعل والعمل، وبسواعد أبناء مصر الذين حوّلوا الصحراء إلى شريان جديد للحياة والتنمية.
فالمشروع الذي ينفذه «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة» يمثل اليوم أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي والتنمية المتكاملة في العالم، على مساحة تصل إلى 2.
2 مليون فدان غرب الدلتا القديمة، في امتداد استراتيجي يربط بين مطروح والبحيرة والجيزة والفيوم.
لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند حجمه فقط، وإنما في رؤيته التنموية؛ فالدولة لم تعد تنظر إلى الزراعة باعتبارها نشاطا تقليديا محدودا، بل باعتبارها قاعدة اقتصادية وصناعية متكاملة قادرة على خلق فرص العمل وتعزيز الصادرات وتقليل الفجوة الاستيرادية وتوفير أكبر قدر ممكن من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح وبنجر السكر والكتان.
ومن يتأمل حجم البنية التحتية التي أُقيمت داخل المشروع، يدرك أنّ ما حدث هو معجزة هندسية وتنموية بكل المقاييس.
فالمشروع يعتمد على منظومة مائية تعد من الأكبر فى المنطقة بالكامل، تشمل 10 ملايين متر مكعب من المياه السطحية يوميا، و7.
5 مليون متر مكعب من المياه المعالجة، إلى جانب استخدام المياه الجوفية وفق ضوابط الاستدامة.
وتم تنفيذ 697 كيلومترا من القنوات المفتوحة، وأكثر من 9100 كيلومتر من خطوط مواسير المياه، وإنشاء 28 محطة رفع رئيسية و388 محطة تقوية، فضلا عن تشغيل أكثر من 8100 جهاز ري محوري، بما يعكس حجم الجهد غير المسبوق الذي بُذل لتحويل هذه الأراضى إلى واحات إنتاج حقيقية.
ولأن الدولة المصرية تدرك أن المستقبل لا يُبنى بالأساليب التقليدية، فقد اعتمد المشروع على أحدث تقنيات الزراعة الذكية، من الري بالتنقيط والري المحوري إلى أنظمة الاستشعار عن بُعد والتحكم الرقمي ومراقبة الإنتاج الذكية، بهدف تحقيق أعلى إنتاجية بأقل استهلاك للمياه والطاقة، في نموذج يعكس توجه مصر نحو التنمية المستدامة والاستخدام الرشيد للموارد.
ولم يكن الطريق سهلا.
فتنفيذ مشروع بهذا الحجم في قلب الصحراء كان تحدياً عظيماً، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الصعبة وارتفاع تكاليف الإنشاء والطاقة.
لكن الرؤية الواضحة والإدارة الحاسمة والدعم الكامل من القيادة السياسية، إلى جانب إخلاص القائمين على المشروع، جعلت من المستحيل واقعا في حاضر ومستقبل المصريين.
المشروع لم يقتصر على الزراعة فقط، بل امتد إلى التصنيع الزراعي والخدمات اللوجيستية، عبر إنشاء «مدينة مستقبل مصر الصناعية» التي تضم مصانع للعصائر والمركّزات والمربّى والسكر والنشا والجلوكوز والبطاطس نصف الجاهزة واللحوم المُصنّعة، إضافة إلى ثلاجات التبريد والتجميد ومحطات التعبئة والتغليف.
ويأتي «مركز سفنكس لتجارة المحاصيل» ليكون أكبر سوق متكامل للحاصلات الزراعية في الشرق الأوسط، بما يضمه من بورصة للحاصلات وأسواق للخضراوات والفاكهة والأسماك ومراكز لوجيستية متطورة.
ما شاهدناه اليوم في الدلتا الجديدة يجعلنا ندرك أنه ليس مجرد مشروع زراعى أو تنموى، بل نقطة تحول كبرى في مسيرة التنمية المصرية.
مشروع يعيد رسم خريطة العمران والإنتاج والعمل والإرادة، ويفتح الباب أمام الملايين من فرص العمل، ويؤسس لاقتصاد أكثر قوة وقدرة على مواجهة الأزمات.
والأهم من ذلك أنّه يثبت للعالم أنّ مصر، بقيادة واعية وشعب مخلص، قادرة دائما على صناعة المستحيل وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية، والصحراء المهجورة إلى مستقبل ينبض بالحياة والأمل والعزة والكرامة.
شكرا لمن فكّر ومن نفّذ ومن جعل المستحيل حقيقة وأمرا واقعا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك