غالبًا ما تقودني الحوارات مع الصديق العزيز (حسن) بعيدًا نحو مشارف الفلسفة التي لا يميل إليها كثيرًا، ويفضل بديلًا عنها، مصطلح (الفكر)، لأنه يراه أشمل.
قلت للصديق: لا فرق عندي بينهما فكلاهما يشتغل بإنتاج المعرفة وتفسير الوجود، على الرغم من تداخلهما.
المهم هو القدرة على طرح السؤال، فالاستبداد يبدأ من لحظة تحريم السؤال والمساءلة، ومن لحظة الإقرار بوجود أجوبة نهائية وتسخير الديني لصالح السياسي، ومواجهة النسبي بالمقدس، والعقلاني بالميتافيزيقي.
لأن السياسة تتأثر بالعصبية والمصالح وتحولاتها وتقلباتها وأهواء القيادات والأحزاب ومصالحها، في حين أن الديني يتميز بنوع من الثبات والمبدئية والتعالي على العصبيات والمصالح الفئوية.
يقول الصديق حسن: أتفق معك أن الاستبداد يبدأ من لحظة التقديس للأشخاص، والحديث عن امتلاك الحقيقة النهائية.
فالديني مجال العقيدة والإيمان وقواعد الشريعة والعبادات أمور راسخة، لكن السياسي مجال المصالح ونظم الحكم وإدارة شؤون الناس، وهو مجال النسبية، مجال الاجتهاد والصح والخطأ، لذلك يوجد فرق بين المفهومين اعتبارًا، لأن الديني هو وحي ومبادئ مقررة، أما السياسي فهو نظام وضعي بشري يبقى المقام فيه مفتوحا للاجتهاد.
قلت للصديق: المشكلة أيضًا أنه ترتسم عندنا صورتان للمقدسات في أذهان الناس: الأولى صورة رجل السياسة، بوصفه مقدسًا سياسيًّا، والثانية صورة رجل الدين، بوصفه مقدسًا دينيًّا، وبناء على نمطية هاتين الصورتين، يتصرف الجمهور حيال السياسي والديني، ويكشف واقع الحال أن عمليتي شخصنة واستلاب يخضع لهما الجمهور، حيث يفقد إمكانية التعرف على السياسي والديني في واقعهما الاجتماعي، أي في سياقيهما التاريخي، ويمكن تحويلهما إلى آلة تدار من خلال الشعارات الجاهزة التي تصنف الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين، أو إلى صالحين وغير صالحين.
يقول الصديق: هذه مقاربة صحيحة فلا توجد أجوبة نهائية عن أي سؤال.
بما في ذلك الذي يتصدى للعمل السياسي، يتوجب عليه التواضع والقبول بالإجابة عن أسئلة الناس ومساءلاتهم وتساؤلاتهم فيطرح حلولا واقعية قابلة للتنفيذ، وحتى رجل الدين إذا ما اشتغل بالسياسة، يجب أن يكون خاضعا للمساءلة عن أفعاله وأقواله وبرامجه ومقترحاته، حيث لا يُحرم الفرد في مجتمعاتنا من حق مساءلته ونقده، لأن ذلك من أبسط الحقوق التي أقرتها الأعراف والدساتير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك