من فوق ماء هرمز إلى أعمق نقطة في قاعه، لوَّحت منصات الحرس الثوري الإيراني بفرض رسوم على الكابلات البحرية العابرة للمضيق، واضعةً البيانات العالمية وأباطرة وادي السيليكون تحت رحمة طهران.
ولا شك أن هذا التوجه الإيراني لفرض «جباية رقمية» أو قطع شريان الإنترنت العالمي عبر مضيق هرمز، يُمثل تحولًا في مفهوم حروب الممرات المائية، إذ ينتقل الصراع من تهديد إمدادات النفط إلى حصار البيانات، واستهداف عمالقة وادي السيليكون: ميتا وجوجل وأمازون ومايكروسوفت.
فهل يكتمل هذا السيناريو وتفرض إيران رسومًا على كابلات الإنترنت مقابل ألا تخنق عصب الاتصالات العالمي، أم مجرد تلويح بالضغط من أجل إجراء اتفاق مع الولايات المتحدة وإنهاء الحرب؟فرض رسوم على الكابلات البحريةفي خطوة تصعيدية جديدة للحرب الدائرة بين أميركا وإيران، أعلن الحرس الثوري الإيراني نية طهران في فرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمر من أعماق مضيق هرمز، بحجة أن دور هذا الممر المائي في البنية التحتية الرقمية العالمية يمكن أن يُدرُّ مليارات الدولارات ويمنح إيران نقطة ضغط جديدة ضد الغرب.
وبحسب «يورونيوز»، فقد قدَّر مصطفى طاهري، عضو لجنة الصناعات البرلمانية الإيرانية، الإيرادات المحتملة من رسوم العبور بما يصل إلى 15 مليار دولار.
وقال المتحدث العسكري الإيراني إبراهيم ذو الفقاري في منشور على موقع X الأسبوع الماضي: «سنفرض رسومًا على كابلات الإنترنت».
وتشير التقارير إلى أن المشرعين الإيرانيين ناقشوا خطة من المرجح أن تستهدف هذه الكابلات التي تربط الدول العربية بأوروبا وآسيا.
وذكرت وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري الإيراني أن شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل ومايكروسوفت وميتا وأمازون ستضطر إلى الامتثال للقانون الإيراني، وفي الوقت نفسه ستضطر شركات الكابلات البحرية إلى دفع رسوم ترخيص، بينما حقوق الإصلاح والصيانة ستكون على شركات إيرانية.
وذهبت كل من كالة أنباء تسنيم ووكالة أنباء فارس الإيرانيتين إلى أبعد من ذلك، حيث أشارتا إلى أن إيران قد تراقب حركة البيانات المتدفقة عبر الكابلات، وهي بنية تحتية تحمل خدمات الحوسبة السحابية وأنظمة المراسلة المالية بما في ذلك نظام سويفت وحصة كبيرة من حركة الإنترنت العالمية.
وفي محاولة لشرعنة هذا الإجراء، تستشهد وسائل إعلام إيرانية باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بحجة أن ضيق مضيق هضبة البحر يضع قاعه تحت الولاية القضائية الإيرانية والعمانية.
لكن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تتضمن مبدأ المرور العابر الذي يحمي التدفق المستمر للملاحة والاتصالات الدولية.
وقد وقّعت إيران على الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها قط.
والمؤكد أن الكابلات البحرية مملوكة لاتحادات دولية، وأي محاولة لفرض رسوم عليها أو مراقبتها ستواجه مقاومة قانونية وسياسية دولية فورية.
مع تزايد المخاوف من إمكانية استئناف الحرب بعد عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الصين، تشير إيران إلى أنها تمتلك أدوات قوية تحت تصرفها تتجاوز القوة العسكرية، حيث لوحت بفرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمر في أعماق مضيق هرمز، وهي تشكل العمود الفقري للاتصال العالمي.
وتعلم إيران أن استهداف هذه الكابلات سيؤثر على الأنظمة المصرفية والاتصالات العسكرية والبنية التحتية السحابية للذكاء الاصطناعي وصولًا إلى العمل عن بعد والألعاب عبر الإنترنت وخدمات البث.
وبحسب صحيفة «ديلي ستار» البريطانية، قالت دينا إسفندياري، رئيسة قسم الشرق الأوسط في بلومبرج إيكونوميكس، إن تهديدات إيران جزء من استراتيجية لإظهار نفوذها على مضيق هرمز وضمان بقاء النظام، وهو هدف أساسي لطهران في هذه الحرب.
وأضافت إسفندياري: «أنها تهدف إلى فرض تكلفة باهظة على الاقتصاد العالمي بحيث لا يجرؤ أحد على مهاجمة إيران مرة أخرى».
ويقول باحثون إن التهديد بالغ الأهمية نظرا لمرور العديد من الكابلات بالقرب من المياه الإقليمية الإيرانية، وأشار آلان مولدين، مدير الأبحاث في شركة TeleGeography المتخصصة في أبحاث الاتصالات، إلى أن نظامين على الأقل من أنظمة الكابلات يمران عبر المياه الإيرانية.
وحذر محللون أمنيون من أن الحرس الثوري الإيراني يمتلك قدرات يمكن أن تهدد البنية التحتية تحت الماء، بما في ذلك غواصون قتاليون وغواصات صغيرة وطائرات مسيرة تحت الماء.
وحذر مصطفى أحمد، وهو باحث كبير في مركز الحبتور للأبحاث، من أن أي هجوم واسع النطاق على الكابلات قد يؤدي إلى «كارثة رقمية» تؤثر على مناطق متعددة.
مع ذلك، تشير تقديرات TeleGeography إلى أن الكابلات التي تعبر مضيق هرمز تمثل أقل من 1% من النطاق الترددي الدولي العالمي اعتبارًا من عام 2025، مما يعني أنه لا يزال بإمكان المشغلين إعادة توجيه حركة المرور عبر طرق بديلة.
وتستمد الكابلات البحرية أهميتها من وظيفتها وهي نقل البيانات، حيث تنقل نحو 99% من حركة الإنترنت العالمية، وفقًا للاتحاد الدولي للاتصالات، والوكالة المتخصصة التابعة للأمم المتحدة في مجال التقنيات الرقمية.
كما تنقل الاتصالات والكهرباء بين الدول، وهي ضرورية لخدمات الحوسبة السحابية والاتصالات عبر الإنترنت، وتلفها يعني «تباطؤ الإنترنت أو انقطاعه، واضطرابات التجارة الإلكترونية، وتأخير المعاملات المالية، بالإضافة إلى التبعات الاقتصادية الناجمة عن كل هذه الاضطرابات».
وتشمل الكابلات الرئيسية التي تمر عبر مضيق هرمز، كابل آسيا-إفريقيا-أوروبا 1 (AAE-1)، الذي يربط جنوب شرق آسيا بأوروبا عبر مصر، مع نقاط إنزال في بعض الدول العربية؛ وشبكة فالكون، التي تربط الهند وسريلانكا بدول الخليج والسودان ومصر؛ ويجري حاليًّا إنشاء شبكات إضافية، بما في ذلك نظام تقوده شركة أوريدو القطرية.
وبالرغم من الزيادة الكبيرة في الطول الإجمالي للكابلات البحرية بين عامي 2014 و2025، فإن الأعطال ظلت مستقرة عند نحو 150-200 حادثة سنويًّا، وفقًا للجنة الدولية لحماية الكابلات (ICPC).
وتشمل المخاطر الأخرى التيارات البحرية، والزلازل، والبراكين تحت سطح البحر، والأعاصير، كما ذكر آلان مولدين، مدير الأبحاث في شركة أبحاث الاتصالات «تيلي جيوغرافي»، الذي أضاف أن القطاع يتصدى لهذه المخاطر من خلال دفن الكابلات، وتغليفها، واختيار مسارات آمنة.
وبحسب «رويترز» فقد أدت الحرب الإيرانية الحالية، إلى اضطراب غير مسبوق في إمدادات الطاقة العالمية والبنية التحتية الإقليمية، بما في ذلك استهداف مراكز بيانات أمازون ويب سيرفيسز في عدد من الدول، وقد نجت الكابلات البحرية حتى الآن من هذه الأضرار.
ومع ذلك، يوجد خطر غير مباشر من السفن المتضررة التي قد تصطدم بالكابلات عن غير قصد عن طريق سحب المراسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك