لا تزال وفيات الأمهات واحدة من أبرز التحديات الصحية التي تواجه العالم، رغم التطور الكبير في الخدمات الطبية وبرامج الرعاية الصحية، إذ تشير التقديرات الدولية إلى أن مئات الآلاف من السيدات يفقدن حياتهن سنويا بسبب مضاعفات مرتبطة بالحمل والولادة، معظمها يمكن الوقاية منه عبر التشخيص المبكر، وجودة الرعاية الصحية، وسرعة التدخل الطبي.
ومع اقتراب عام 2030، وهو الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بصحة الأم، تتجه المؤسسات الصحية الدولية إلى إعادة تقييم آليات التعامل مع هذا الملف، ليس فقط من خلال رصد أعداد الوفيات، ولكن عبر تطوير نظم صحية أكثر قدرة على منع حدوثها من الأساس.
وفي هذا السياق، شارك الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني جامعة القاهرة، وعضو المجموعة الاستشارية الفنية لتقدير وفيات الأمهات وأسبابها التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في الاجتماعات الرسمية للمجموعة التي عقدت بمقر منظمة الصحة العالمية في جنيف بسويسرا.
وتعد المجموعة من أبرز الكيانات الفنية الدولية المعنية بملف وفيات الأمهات، حيث تعمل ضمن منظومة الأمم المتحدة المشتركة لتقدير وفيات الأمهات، والتي تضم منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، والبنك الدولي، وإدارة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة.
وشهدت الاجتماعات مناقشات موسعة حول مستقبل ملف وفيات الأمهات عالميا، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، إلى جانب مراجعة المنهجيات المستخدمة في قياس معدلات الوفيات، وتحسين جودة البيانات الصحية، وبحث سبل تطوير أنظمة الرصد الخاصة بالمضاعفات الشديدة المرتبطة بالحمل والولادة.
نظم صحية تمنع وفيات الأمهاتوخلال الاجتماعات، أكد الدكتور عمرو حسن أن العالم أصبح بحاجة إلى تغيير طريقة النظر إلى ملف وفيات الأمهات، موضحا أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بحساب أعداد الوفيات، بل ببناء نظم صحية قادرة على منعها قبل وقوعها.
وقال إن السؤال الحقيقي لم يعد: «كم عدد الأمهات اللاتي فقدن حياتهن؟ »، وإنما: «كيف نبني أنظمة صحية تمنع هذه الوفيات قبل أن تحدث؟ ».
وأشار إلى أن وفيات الأمهات لا تمثل مجرد مؤشرات إحصائية، لكنها تعكس بصورة مباشرة قوة النظام الصحي، ومدى عدالة الوصول إلى الخدمات الطبية، وجودة الرعاية المقدمة للمرأة خلال الحمل والولادة.
ولفت إلى أهمية التوسع في دراسة المضاعفات الشديدة للحمل والولادة، وحالات النجاة من الموت، أو ما يُعرف طبيا بـ «Maternal Near-Miss»، مؤكدا أن هذه الحالات قد تكشف نقاط الضعف داخل المنظومة الصحية بصورة أكثر دقة.
وأوضح أن المرأة التي تنجو من مضاعفات خطيرة أثناء الحمل أو الولادة يمكن أن تقدم تفسيرا واضحا لأسباب تعثر النظام الصحي، سواء فيما يتعلق بسرعة التشخيص، أو كفاءة التحويلات الطبية، أو جودة الرعاية أثناء الطوارئ.
وشدد الدكتور عمرو حسن على أهمية إنشاء منصات وطنية متكاملة لبيانات صحة الأم، تربط بين المستشفيات الحكومية والجامعية والقطاع الخاص، مؤكدا أن تفتت البيانات لا يزال يمثل تحديا كبيرا في العديد من الدول.
وأضاف أن بعض الدول قد تمتلك أرقاما حول وفيات الأمهات سنويا، لكنها لا تملك بيانات دقيقة عن مضاعفات الحمل الخطيرة، أو أعداد السيدات اللاتي احتجن إلى الرعاية المركزة، وهو ما يحد من فرص تطوير الخدمات الصحية بصورة فعالة.
كما تناولت المناقشات ملف «الوفيات القابلة للمنع»، خاصة الحالات المرتبطة بتسمم الحمل والإكلامسيا، والتي لا تزال من بين الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات عالميًا، رغم إمكانية الوقاية من نسبة كبيرة منها عبر المتابعة الطبية الجيدة والكشف المبكر والتدخل السريع.
وأكد أن هذه القضايا لم تعد مجرد تحديات طبية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمفاهيم العدالة الصحية وحقوق الإنسان، وحق المرأة في الحصول على رعاية صحية آمنة ومتكاملة.
وتعكس مشاركة الدكتور عمرو حسن في هذه الاجتماعات حضورا مصريا متزايدا داخل الملفات الصحية الدولية، خاصة المتعلقة بصحة المرأة والأمومة الآمنة، كما تؤكد الثقة المتنامية في الخبرات الطبية المصرية ودورها في المناقشات العالمية المرتبطة بمستقبل الصحة العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك