لم يكن الفيلم مجرد عمل فنيٍّ يعرض أحداثًا من القرن التاسع عشر، بل كان بوابةً زمنية دفعتني إلى عبور قرنين كاملين، لأقف وجهاً لوجه أمام واحدة من أكثر الصفحات قسوة في التاريخ الإنساني: صفحة الرِّقَّة والعبودية.
كانت المشاهد تتتابع كأنها ضربات متلاحقة على القلب؛ رجالٌ ونساءٌ يُقتلعون من أوطانهم كما تُقتلع الأشجار من جذورها، وأطفالٌ تُطفأ في أعينهم براءة الطفولة قبل أن يتعلموا معنى الحياة.
شعرتُ وأنا أتابع الفيلم أنني لا أشاهد الماضي، بل أستمع إلى أنينٍ قديم ما زال يتردد في جدران الزمن، كصدى لا يريد أن يموت.
في مصر خلال القرن التاسع عشر، كان نظام الرقيق جزءًا من البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وكان العبيد يُجلبون من مناطق عديدة في أفريقيا، وعلى رأسها بلاد الحبشة والسودان وأواسط القارة الأفريقية.
كانت القوافل البشرية تسير عبر الصحارى كما تسير قطعانٌ صامتة من الألم، حتى تصل إلى أسواق النخاسة، حيث يُقاس الإنسان بالعضلات، وتُحدد قيمته كما تُحدد قيمة دابة أو متاع.
وكانت القاهرة، خاصة في بعض أحيائها القديمة، تعرف هذه الأسواق التي تتحول فيها الأرواح إلى أرقام، والأحلام إلى سلع، والكرامة إلى سلعة قابلة للمساومة.
هناك، لم يكن السؤال: " من أنت؟ " بل" كم تساوي؟ "يا له من سقوط مروّع حين يصبح الإنسان، الذي كرّمه الله، شيئًا يُعرض للبيع! كيف استطاع البشر أن ينظروا في عيون بشرٍ مثلهم ثم يساوموا على أثمانهم؟ وكيف يمكن ليدٍ خُلقت للمصافحة أن تتحول إلى سوط؟ وكيف لقلبٍ ينبض أن يقبل أن يمتلك قلبًا آخر؟وكان للنساء النصيب الأشد قسوة؛ فبعضهن جيء بهن للعمل في القصور والمنازل، وبعضهن حُرمن من أبسط حقوق الإنسانية، فصرن ضحايا مزدوجات للاستعباد والاستغلال.
أما الأطفال، فقد دخلوا الحياة من بوابة الأسر بدلًا من بوابة الأمل.
ومع مرور الزمن، بدأت الدولة المصرية، تحت تأثير التحولات الدولية والضغوط السياسية، في اتخاذ خطوات للحد من تجارة الرقيق، حتى انتهى الأمر رسميًا بإلغاء هذه الممارسات.
لكن السؤال الذي ظل يلاحقني وأنا أغادر قاعة السينما كان أكثر إيلامًا من الفيلم نفسه: هل انتهت العبودية حقًا؟ربما اختفت السلاسل الحديدية، لكن هل اختفت القيود؟ ربما أُغلقت أسواق النخاسة، لكن هل توقفت المتاجرة بالإنسان؟ ألسنا نرى اليوم صورًا أكثر تهذيبًا للرِّقَّة؟ موظفٌ يبيع عمره في عملٍ يسحق روحه، امرأةٌ تُحاصرها نظرات المجتمع، إنسانٌ يرهق نفسه لإرضاء الآخرين.
لقد تغيرت هيئة السوط، لكنه لم يختفِ.
صار أحيانًا كلمةً جارحة، أو ديونًا متراكمة، أو خوفًا من الفقد، أو تعلقًا مرضيًّا برأي الناس.
ولم يعد العبد من يُباع في الأسواق فقط، بل قد يكون كل من فقد قدرته على قول" لا"، وكل من تنازل عن كرامته مقابل الأمان، وكل من سلّم مفاتيح روحه لغيره.
والحرية، رغم جمالها، ليست بابًا مفتوحًا على الفوضى.
الحرية مسؤولية ثقيلة، تشبه جناحين لا قيمة لهما إن لم يعرف الطائر كيف يحلّق بهما.
فالإنسان الحر ليس من يفعل ما يشاء، بل من يملك نفسه حين تشتهي، ويقودها حين تتمرد، ويختار طريقه بوعي لا بغريزة.
إن أخطر أنواع العبودية هي تلك التي يظن صاحبها أنه حر.
أن يعيش الإنسان أسيرًا لخوفه، أو لرغباته، أو لأفكار الآخرين، وهو يتوهم أنه سيد قراره.
فالحرية الحقيقية تبدأ حين يتحرر الإنسان من كل ما ينتقص من إنسانيته، ومن كل ما يحوّله إلى ظلٍّ باهتٍ لنفسه.
خرجتُ من السينما وأنا أشعر أن الفيلم لم ينتهِ عند ظهور كلمة" النهاية".
لقد بدأ داخلي سؤالٌ كبير، لا يزال يطرق أبواب روحي بإلحاح: هل تحرر الإنسان فعلًا من الرِّقَّة، أم أنه فقط استبدل القيد الحديدي بقيدٍ أكثر أناقة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك