بقلم: سعيد بن محمد الرواحيرحل أستاذي وصديقي خميس بن راشد العدوي فرحل معه وجه من وجوه عمان التي لا تتكرر، وذاكرة وطن تمشي على قدمين، وعقلا ظل مشغولا بعمان حتى آخر نبضة في قلبه.
كان الوطن بالنسبة إليه أكثر من أرض وحدود، كان فكرة كبره تستحق أن يفنى العمر في خدمتها.
لذلك عاش حياته باحثا عن الحقيقة، ومنقبا في طبقات التاريخ، ومفتونا بكل أثر قديم يمكن أن يروي حكاية هذا البلد الضارب في عمق الحضارات.
لم يكن يحمل أدوات الباحثين الكبار ولا ميزانيات المؤسسات الضخمة، لكنه كان يحمل قلبا مؤمنا بعمان، وسيارة “رينو” صغيرة قديمة تشق الجبال والوديان، وعينين تلمعان كلما عثر على نقش أو رسم أو شاهد يعود للحضارات المتعاقبة على أرض عمان.
كم مرة هاتفني بصوته المفعم بالفرح، وكأنه طفل اكتشف كنزا، ليقول: “وجدنا أثرا جديدا، هذا سيدعم مشروع الموسوعة”.
تلك الموسوعة التي أفنى فيها أكثر من سبع سنوات من عمره، مستعينا بأحد أبنائه، وبإمكاناته البسيطة، وبشغف رجل أدرك أن الأمم التي لاتحفظ ذاكرتها، تموت مرتين.
لم يكن خميس العدوي أسيرا للتقليد، ولا سجينا للخوف الفكري.
قرأالقرآن بعين المتدبر لا بعين المقلد، وفهمه بعقل الباحث المؤمن، ثم قالرأيه بشجاعة العارف ومسؤولية العالم.
وكان يؤمن – كما كتب في حواراته ومؤلفاته – أن “الإيمان لا ينفصل عن المعرفة”، وأن الدين في جوهره أخلاق وإنسانية لا صراعا حول الهويات والتصنيفات والمسميات.
لقد كان رحمه الله يرى أن العقل لا يختلف مع الإيمان، بل طريقا لفهم أعمق للحقيقة، ولذلك ظل يدعو إلى إحياء الاجتهاد، وتحرير الفكر من الجمود، وإعادة بناء الوعي الإسلامي بروح تتسع للإنسان والحياة.
ولم نجد في مؤلفاته مثل: الإيمان بين الغيب والخرافة، والوحدة الإسلامية، والسنّة، الوحي، الحكمة، أنه كان يبحث عن الجدل والخلاف بقدر ما كان يبحث عن يقظة العقل، وعن إنسان أكثر رحمة واتزانا.
كان الاستاذ خميس – رغم عمقه الفكري – بسيطا قريبًا من الناس، لا يتعالى بعلمه، ولا يبخل بمعرفته.
إذا جلست إليه شعرت أنك أمام رجل امتلأ بالحكمة حتى هدأ.
متواضعًا، دمث الأخلاق، عطوفا على عائلته وأصدقائه وطلابه، يفتح قلبه لكل سائل، ويمنح وقته لكل حائر.
أما الوقت، فكان أثمن ما يملك.
كان يدرك أن العمر قصير، لذلك عاشه كما يجب أن يعاش؛ كتابة، وتأليفا، وبحثا، وسفرا، وتمثيلا مشرّفًا لعُمان في المحافل الثقافية والفكرية.
لم يكن يبحث عن شهرة ولا منصب، ولكن كان همه الاكبر البحث عن أثر يبقى بعد الرحيلاليوم رحل خميس العدوي بجسده ومحياه الجميل وضحكته المميزة، لكنه لم يغب.
سيبقى نوره في الكتب التي كتبها، وفي المقالات التي أيقظت العقول، وفي الآثار التي تتبعها بين الصخور والرمال، وفي كل شاب تعلم منه أن التفكير ليس خيانة، وأن المعرفة عبادة، وأن الوطن يستحق أن نحبه بالفعل لا بالشعارات.
سيبقى في ذاكرة عُمان طويلا، لأن الرجال الذين يشبهون خميس العدوي لا يرحلون، ولكنهم يتحولون إلى نور خافت يرافق الأجيال كلما أظلم الطريق.
رحم الله خميس بن راشد العدوي رحمة واسعة، وأسكنه جناته، وألهم عمان وأهله ومحبيه الصبر الجميل.
لقد فقد الوطن أحد أركانه الثقافي، وفقدت الثقافة العمانية رجلا كان يحملها في قلبه كما يحمل المؤمن صلاته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك