ثمة علاقة ما تربط بين السياسة والفن، تظهر نتائجها في المُناسبات والاحتفالات الكُبرى، ولعل زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الأخيرة لمصر، أوضحت أصداء العلاقة الفنية السياسية، ووضعت النقاط فوق الحروف فيما يتعلق بالأجواء الطيبة السائدة الآن بين البلدين، مصر وفرنسا.
فعلى الرغم من استقلالية مهرجان كان كحدث سينمائي عالمي مهم يبلغ عمره 79 عاماً، إلا أن نقاء الأجواء بالقطع، ساهم كثيراً في إعلان حالة الاحتفاء بالسينما المصرية ونجمها حسين فهمي الذي يتم تكريمه خلال الدورة الحالية، كأحد أهم نجوم السينما المصرية والعربية، ورئيس أكبر وأقدم مهرجان سينمائي في منطقة الشرق الأوسط «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي».
وحسبما تُشير إليه المعلومات والمصادر لا توجد أفلام روائية طويلة مصرية مشاركة في الدورة 79 لمهرجان كان، ولكن يتمثل حضورها القوي في سوق الفيلم في الجناح المصري الرسمي، وهي ميزه مهمة تسمح بالترويج للفيلم المصري، وتشجع الإنتاج المشترك بين المؤسسات السينمائية المصرية وبقية مؤسسات الإنتاج العالمية الأخرى، في ضوء الثقة المُتبادلة بين الأطراف المعنية.
كما أن المشاركة في سوق الفيلم في مهرجان كان، تدعم عمليات التواصل بين الكيانات السينمائية المصرية ونظيراتها من مؤسسات السينما العربية ومؤسساتها المُختلفة، فضلاً عن بروز دور المهرجانات المصرية كمهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الجونه في المشهد السينمائي، إلى جانب المهرجانات العربية الشهيرة، كمهرجان دُبي ومهرجان البحر الأحمر وغيرهما من الفعاليات التنظيمية الكُبرى، التي تساعد على استغلال الفرص السينمائية في إطارها العالمي، وتدرس إمكانية تفادي التحديات التي تعوق تقدم صناعة السينما في المنطقة العربية، وتؤثر سلباً على نموها.
كذلك تحرص الشركات الإنتاجية المصرية الكُبرى في سياق الاحتكاك بالثقافات الدولية والعالمية على توفير فرص الاستثمار في المجالات الفنية كافة، سواء السينمائية أو الدرامية، لهذه الأسباب تدخل السياسة والدبلوماسية طرفاً في المُعادلة الاقتصادية الفنية، وتُمثل داعماً قوياً لإتمام المشروعات والصفقات، على خلفية العلاقات المُتزنة والمُستقرة بين الدول العربية والأوروبية، فمهرجان كان هو ساحة الالتقاء الواسعة للعديد من الثقافات، ووجود اتفاق بين فرنسا راعية المهرجان وبقية الدول المُشاركة بأفلامها، لا شك يعضد العلاقات الفنية ويُعزز المشروعات الاستثمارية في هذا الصدد.
ومن دلالات التوافق والانسجام بين السينما المصرية والعربية ومهرجان كان السينمائي، منح مركز السينما العربية جائزة الإنجاز النقدي للناقد المصري طارق الشناوي، على هامش الدورة 79 لمهرجان كان المذكور، إلى جانب الناقدة التركية ألين تاشجيان، تقديراً لدورهما في دعم النقد السينمائي عربياً ودولياً وهو ما يُعد ميزه مُضافة لكل من السينما المصرية والتركية، لاسيما أن النقد يلعب دور محوري في الارتقاء بمستوى الذوق العام وتقويم ودعم الصناعة السينمائية بشكل أو بآخر.
ومن المعروف أن مهرجان كان سبق له أن كرم المخرج يوسف شاهين في إحدى دوراته عن مُجمل أعماله، بما يعني أنه ينظر للسينما المصرية ومُبدعيها بكثير من التقدير، باعتبارها ركناً إبداعياً ثابتاً وصاحبة تاريخ عريق في المجال الإنتاجي والإبداعي المسؤول، ويتمتع صُناعها بخبرات واسعة ولنجومها باع طويل في البطولات والإسهامات الفنية الكُبرى.
وهناك علامات سينمائية كُبرى تدل على ذلك، وهي بلا شك محل اهتمام، كفيلم «جميلة بوحيرد» و»المصير» و»المُهاجر» و»باب الحديد» و»الأرض» ليوسف شاهين، و»شباب امرأة» و»البداية» لصلاح أبو سيف و»الحرام» و»دعاء الكروان» لبركات و»شيء من الخوف» و»البوسطجي» لحسين كمال، و»ضد الحكومة» و»الهروب» و»سواق الأتوبيس» لعاطف الطيب و»زوجة رجل مهم» و»أحلام هند وكاميليا» و»ضربة شمس» لمحمد خان، و»الطوق والإسورة» و»يوم مر ويوم حلو» و»أمريكا شيكابيكا» لخيري بشارة، و»الكيت كات» و»أرض الخوف» و»رسائل البحر» و»أرض الأحلام» و»مواطن ومُخبر وحرامي» لداود عبد السيد، و»ليه يا بنفسج» و»الساحر» و»عرق البلح» لرضوان الكاشف، والقائمة تطول، فجميع مقومات النجاح متوافرة للسينما المصرية منذ بداياتها الأولى في فيلم «زينب» لمحمد كريم وفيلم «العزيمة» لرائد الواقعية كمال سليم ومراحلها التالية المُزدهرة، التي شهدت تألقاً لنجومها الكبار أنور وجدي ويوسف وهبي ونجيب الريحاني ومحمد عبد الوهاب وعلي الكسار وسليمان نجيب في أفلام مهمة مثل «ريا وسكينة» و»الوحش» و»غزل البنات» و»لعبة الست» و»الوردة البيضاء» و»يوم سعيد» وغيرها الكثير كأفلام محمد فوزي وفريد الأطرش وأسمهان وأم كلثوم وعبد العزيز محمود وكارم محمود وعبد الحليم حافظ، وتلك نوعيات غنائية مُعتبرة حققت نجاحات غير مسبوقة في شباك التذاكر آنذاك.
ولا تزال السينما المصرية تُعطي وتُنتج أنماطاً من التراجيديا والكوميديا والأفلام الاجتماعية التي يُمكن الخلاف والاتفاق حول مستواها الفني لكنها تُمثل استمراراً لصناعة السينما وعطاء نجومها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك