في غضون أقل من شهرين، شهد المشهد السوداني موجة من الانشقاقات الرفيعة المستوى في صفوف قوات" الدعم السريع"، أفضت إلى جدل واسع حول دلالاتها وتداعياتها على مسار الحرب، ومسيرة بناء حكومة التأسيس ومآلات السلام.
فـ" الدعم السريع" تواجه موجة متصاعدة من الانشقاقات تطرح تساؤلات جدية حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية، فيما تدخل الحرب مع الجيش عامها الرابع، وتتحول إلى حرب استنزاف مطولة.
بطبيعة الحال، لا يمكن قراءة هذه الانشقاقات بمعزل عن طبيعة التحالفات السياسية والعسكرية في التاريخ السوداني، التي تتسم بالتحول وغياب المشاريع السياسية أو المحددات المبدئية، إذ تخضع هذه التحالفات غالباً للبيئة الأوسع على الصعيدين المحلي والإقليمي، وخلال الحرب الأخيرة دخل فيها أيضاً المحدد الدولي، إذ يجري قياس كل هذه المؤشرات غالباً بدقة على جميع المستويات، بداية من المستوى الفردي وحتى المستوى العسكري مروراً بالمستويات السياسية والحزبية، إذ إن تحليل تصريحات السافنا المنشق الأخير عن قوات الدعم السريع تشير إلى الطابع البنيوي للمأزق الذي تعيشه قوات" الدعم السريع"، فالتوزيع غير العادل للمكاسب وإحكام عائلة دقلو قبضتها على مراكز القرار والمناصب القيادية ينتجان استياء متراكماً بين القادة الميدانيين ذوي الأثقال القبلية والعملياتية المستقلة، وأيضاً يكشفان عن تآكل الإسناد القبلي نتيجة عوامل متعددة، منها عمليات عسكرية كمنطقة مستريحة التي كانت ضد بطون قبيلة الرزيقات.
ويمكن القول إن هناك عوامل مضافة، منها مثلاً العامل الاستخباري الذي من الواضح أنه وضع خططاً لاستقطاب قادة بعينهم.
كما وفر الجيش السوداني غطاء جوياً بطائراته المسيرة لتأمين طريق فرار بعضهم منهم، مثل القبة عبر الصحراء من دارفور إلى الشمال، مما يعني أن الجيش كان يعلم بنياته مسبقاً ونسق معه بدقة.
وتكشف هذه الحقيقة عن تطور نوعي في المنهجية العسكرية للجيش، الذي انتقل من الاكتفاء بالعمليات الميدانية إلى توظيف القدرات الاستخبارية في تفريغ المنافس من داخله، فاستراتيجية الجيش في فتح أبوابه للمنشقين مع الترحيب المبهج والخطاب الوطني هي محاولة حسابية لإيصال رسالة للقبائل العربية في دارفور بأن الولاء لحميدتي ليس خياراً مطلقاً ولا يقبل المراجعة.
لا يمكن هنا التهوين من الأثر الميداني لهذه الانشقاقات، فنموذج انشقاق أبو عاقلة كيكل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 يقدم الدليل التطبيقي، فبعد انشقاقه قاد عمليات ضد" الدعم السريع" في المنطقة ذاتها التي كان يتولى قيادتها، فاسترد الجيش ولاية الجزيرة في يناير (كانون الثاني) 2025، أي بعد ثلاثة أشهر فقط من انضمامه، وهو مسار يرجح كثيرون أن القبة قد يسعى إلى تكراره في دارفور، وذلك من دون التقليل من حقيقة أن قوات" الدعم السريع" تسيطر على إقليم دارفور، وأجزاء من إقليمي كردفان والنيل الأزرق.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)التحليل الميداني الدقيق للانشقاقات يرسم صورة أكثر تعقيداً، ففي أبريل (نيسان) 2026 وحده، انشق قائدان رفيعا المستوى في اتجاهين متعاكسين، فبينما انضم القبة إلى الجيش، انضم الفريق الأول الحسن آدم الحسن نائب قائد حركة تحرير السودان جناح عقار إلى" تحالف تأسيس" المدعوم من" الدعم السريع"، مما يمنح هذا التحالف خبرة عسكرية محلية وشرعية في الممر الجنوبي.
يضاف إلى ذلك انضمام فصائل مسلحة في منطقة شرق السودان إلى قوات العدل والمساواة، وليس إلى قوات الجيش، وطبقاً لهذا المشهد فإن السودان يتحول تدريجاً إلى خريطة متشظية لا تعود فيها الانشقاقات بالضرورة في اتجاه واحد، بما يشير إلى ديناميكية فوضى أكثر ما هي دينامكية تماسك لصالح الجيش السوداني.
يمكن القول إن الانشقاقات تلقي بظلالها من زاويتين متعاكستين في آن واحد: فهي من جهة تضعف الركيزة القبلية لحكومة" الدعم السريع" في دارفور بسحب قادة محوريين يمثلون قبائل الرزيقات والمحاميد وغيرها من العمود الفقري الاجتماعي للقوات.
ومن جهة أخرى، تضفي على حكومة الأمل في بورتسودان زخماً معنوياً يسهم في تمكينها داخلياً ودولياً.
فاستقطاب الجيش للمنشقين عبر احتفالات وخطاب سياسي رنان يرسخ في الوعي الجمعي السوداني قناعة بأن جرائم الحرب مما يغفر، ويخبر الجيل القادم من قادة الميليشيات أن الفظائع الجماعية ليست مآخذ لا تغتفر، في حين أن انشقاق القادة من قوات" الدعم السريع" لا يعفيهم من المسؤولية الجنائية الفردية عن الانتهاكات التي ارتكبوها، وأن إعادة إدماجهم في تشكيلات عسكرية أخرى تشكل تهديداً مباشراً لمبدأ عدم الإفلات من العقاب وتقوض حقوق الضحايا.
على أن الانشقاقات العسكرية على قوات" الدعم السريع"، لها أبعاد أخرى مرتبطة بالمسار الإقليمي المتقلب الذي تشكل خلال الأشهر الماضية بفعل حرب إيران، إذ تسهم هذه الحرب الإقليمية في تعميق الحرب السودانية، وتقزيم فرص إيقافها.
صحيح أن مؤتمر برلين المنعقد في أبريل 2026 شكل إشارة مهمة إلى أن السودان لم ينس دولياً، غير أنه كشف عن انقسامات حادة بين الفاعلين الخارجيين، إذ أخفقت المفاوضات في التوصل إلى بيان ختامي مشترك.
إذاً، المشهد السوداني الراهن مرشح لسيناريوهات عدة، الأول متفق عليه في الدوائر المحلية والإقليمية والدولية، وهي تحول الانشقاقات إلى شرارة لانهيار تدريجي في قوات" الدعم السريع" يمتد من القاعدة القبلية إلى قيادة حميدتي، وهو سيناريو تحرص قيادة الجيش على تسويقه دولياً.
والثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، الاستمرار في حرب الاستنزاف المطولة مع تجميد ضمني للجبهات، مما يكرس التقسيم الفعلي بين سودان الشرق والشمال وسودان الغرب.
أما الثالث التشظي، أي غياب السودان كدولة ووقوعه تحت مظلة فاعلين ما دون الدولة، حيث تصاغ وتنكسر التحالفات طبقاً لأطرها التاريخية القائمة على الانتهازية السياسية.
وهكذا، فإن انشقاقات قادة" الدعم السريع" تمثل حالياً سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة عمليات استخبارية مصممة بعناية تكشف عن قدرة متصاعدة للجيش على اختراق منافسيه، ومن جهة أخرى مرآة صادقة لأزمة في قوات" الدعم السريع" القائم على إحكام عائلة دقلو القبضة على المناصب والمكاسب.
بيد أن الأخطر هو ما تخفيه هذه الانشقاقات من إشكالية مركبة تطاول المعادلة السياسية وأفق السلام المستدام معاً، ذلك أن استيعاب من شاركوا في جرائم حرب موثقة ومنحهم عفواً ومناصب داخل البنية العسكرية يرسخ نموذج السودان التاريخي في تدوير النخب المسلحة بلا مساءلة، وهو النموذج ذاته الذي أسهم في توليد دوراتها المتعاقبة من الحروب الأهلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك