تكاد لا تبرأ شخصية واحدة في رواية سعيد خطيبي، من لوثة جرمية، أو أخلاقية.
من هؤلاء طبيبة العيون، عقيلة، التي تزرع قرنيات الموتى في محاجر من يعانون من ضعف البصر أو انطفائه.
من يزوّدها بتلك القرنيّات زوجها الذي يعمل طبيبا مسؤولا في المشرحة.
المرضى كذلك لا يخلو حاضر بعضهم، بل وماضيهم أيضا، من فساد.
أما ميلود، شقيق الطبيبة ومساعدها في العيادة، فمتّهم بسرقة كِلْية مريض وبمجامعة إبنته التي ولدت من صلبه.
أما حياة البشر، الذين تربط بينهم صلات متقطّعة، فجار أكثرها في الخفاء، حيث لكل واحد سرّه.
المبغى الذي يحمل اسم صاحبته (دار بابا ياقوت) يحتضن الكثير من هذه الأسرار.
الرواية تفتتح صفحاتها الأولى بما يناسب مجتمع مثل هذا: الطبيبة عقيلة في غرفة ضيقة في السجن تُستجوَب، في تلك البداية، بما يتعلق بجريمة، سنتأخّر كثيرا حتى نعرف أنها تتعلّق بمقتل زوجها.
سننتظر حتى آخر الرواية لنعرف سبب توقيف الطبيبة، أو سجنها، ضمن تشابك علاقات الشخصيات وانطواء كلّ منها على سرّه.
تبدو الرواية، الجارية في سياقها المعقّد، لكن السلس السرد.
رواية أقرب إلى البوليسية، حيث يكون الجميع متهمين، ليس في ما يتعلّق بجريمة قتل الطبيب وحدها، إذ جميعهم خائفون من الانكشاف أمام العدالة، وهؤلاء ليسوا من طينة من تضمّهم لوائح الفساد في العادة، فما يفاجئ في الرواية هو أن اشتراك الزوجين في نزع القرنيات وبيعها، لم يخرجهما مما ينبغي أن يبلغه زوجان فاسدان.
فهما، مع ابنتهما الصغيرة، يشكلان عائلة متوسطة الحال (رغم أن الزوج يساعد في دعم جمعية لرعاية الأطفال، أسسها بنفسه).
كما أننا إزاء عائلة لم ينقلها التعليم العالي والعمل في مهن عالية التقدير، إلى ثقافة عائلية متقدّمة، فالزوج يعالج أكثر أموره الزوجية بالضرب وهي، الزوجة الطبيبة، لا تشكو من تلك الحال، هكذا، كما لو أنها ما تزال خاضعة لمفاهيم الزواج البلدي التقليدي.
في رواية الخطيبي هذه لا تُرسم شخصية من موديلات روائية معتادة.
إنهم جميعا أبرياء من جهة، ومذنبون من جهة أخرى.
شخصيات رجراجة متحوّلة في ذهن قارئها المعتاد على أن تبقى الشخصيات محافظة على رسمها، الذي لا يؤكد توالي الصفحات إلا على أصالته.
ولا تستقرّ صورة أي من هؤلاء في شكل أخير، بل يظلّون، حتى نهاية الرواية، ملتبسين يصعب تصنيفهم، ونمذجتهم، حسبما اعتادت الروايات أن تفعل.
لكن هل يرجع ذلك إلى انفلات العالم من ضوابطه آنذاك، في 1990 التي كانت بداية لسنوات العشرية السوداء في الجزائر، البلد الذي تدور الرواية في إحدى مدنه.
فحين تخرج الرواية عن الانشغال بما يجري مع أبطالها، نقرأ عن بدايات التعدي على أمكنة السهر، كما على ظهور النساء غير الملتزم باللباس المحتشم، كما على تحوّل ليل المدينة إلى مسرح للمطاردة والخوف.
ما أراد خطيبي كشفه من أحوال الجزائر آنذاك ليس، على الأخصّ، ما يكشفه المشهد الخارجي للمدينة، وليس ما تمليه على حياة البشر وقائع السياسة وتنازع قواها.
ما أراده هو أن يظهر ذلك من حياة البشر المعقّدة، التي تملي على نفسها قوانينها المستجدّة.
أعود إلى التذكير هنا بأن المرء غير متطابق مع ما يجب أن يكون عليه.
وقد ساعد على إفساد العالم ظنّ الناس ببعضهم بعضا، وبحثهم عن الأسباب التي تجعل من الآخر عدوّا هدفا للانتقام.
وقد انتقل ذلك إلى طعن بعضهم بما كان ينبغي أن يكون مقدّسا على غرار تخوين من شاركوا في النضال الوطني، الذي شارك فيه الكثيرون ضد الاستعمار الفرنسي.
هذا الإغماط لحقّ بعض المناضلين لم يأت لأسباب سياسية، بل لما يمكن ردّه إلى ضغائن اجتماعية وأهلية.
يتولّى عزوز عن ابنته الطبيبة سرد النصف الثاني من الرواية، متحولا هو إلى محورها.
كان قد شارك في الحروب مقاتلا شرسا غير أنه، مع ذلك، حُرم، هو وآخرون كثيرون، من التكريم الذي حظي به من أبقيت لهم سمعة نضالهم، بل إن من قرّروا حرمانه استمرّوا بملاحقته إلى ما بعد انتهاء حياته، فانشغل هو بالكيّ الذي نُقش على ظهره دليلا على انتسابه للخونة.
كان عليه إذن، بما تبقى له من حياته، أن يحول دون أن يُشهّر به بعد موته، وألا يُدفن في ذلك الحيّز الجانبي، المخزي، من مقبرة المدينة.
الرواية التي تنوّعت وجهتها بين أن تكون تاريخية أو بوليسية، أو رواية جريمة، أو حكاية تتألّف من تعقيدات مجتمع خارج من حرب وداخل في أخرى، جرت قسمتها، سرديا بالنصف، بين الأب وابنته.
لقد نحيت الابنة الطبيبة عن سرد كامل حكايتها ليحل محلها والدها عزوز، المثقل بمشلات الماضي والحاضر معا.
لم يُحدث ذلك فجوة في متابعة فصول الرواية، ذاك أن كاتبها هيأ قرّاءه لشيء مثل ذلك بأن جعل الرواة، منذ البداية، متداخلين، يحلّ أحدهم مكان الآخر.
كان ذلك لافتا في الصفحات الأولى، لكنه لم يعكّر تسلسل القراءة.
ربما كان السبب في هذا التنويع إبقاء القارئ مشدودا إلى ما قد تأخذه إليه التفاصيل فتشتّته، خصوصا أننا، ظاهريا، إزاء حكاية أسرة ومدينة وبشر كثيرين وحياة شبه عائلية.
وليس رواية تقوم على ثيمة هي الحرب، أو الساسة أو حول الفساد في مجتمع وقع البلد في قبضته.
لكن لن يخفى أن ذلك كله شكل جوّاً أو كنفا تتفاعل الرواية في داخله.
*رواية سعيد خطيبي «أغالب مجرى النهار»، صدرت عن دار هاشيت- أنطوان في 287 صفحة لسنة 2026، وحازت جائزة بوكر العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك