تزامناً مع مرحلة سياسية حساسة تشهدها بغداد مع بدء تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، عادت الهجمات بالمسيّرات إلى واجهة المشهد، لتفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول توقيت هذه التحركات ودلالاتها السياسية والأمنية، وما إذا كانت تحمل رسائل تتجاوز بعدها الميداني المباشر.
وفي هذا السياق، رأى الخبير الأمني والمستشار الأمني السابق في رئاسة البرلمان العراقي، مخلد حازم الدرب، أن إطلاق المسيّرات الهجومية من الأراضي العراقية في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن الظروف السياسية الحالية، خصوصاً مع وجود حكومة جديدة تواجه ملفات معقدة وتحديات متراكمة.
وقال الدرب إن هناك أطرافاً تسعى إلى “خلط الأوراق” في لحظة يصفها بالحساسة، مشيراً إلى أن الحكومة الجديدة تجد نفسها أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على التعامل مع ملف الفصائل المسلحة وضبط المشهد الأمني الداخلي.
وأضاف أن هذا التوقيت ليس عشوائياً، بل يأتي في مرحلة تشهد نقاشاً متزايداً حول مستقبل الجماعات المسلحة المرتبطة بما يُعرف بـ”محور المقاومة” وجبهات الإسناد المرتبطة بإيران، وهو ما يجعل أي تصعيد أمني أو تحرك عسكري خارج إطار الدولة يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الحدث نفسه.
ويرى الدرب أن الهدف من هذه التحركات يتمثل في إرباك المشهد السياسي وإفشال أي محاولة حكومية جادة لكبح نفوذ الفصائل المسلحة، معتبراً أن الحكومات السابقة واجهت تحديات مشابهة ولم تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي في هذا الملف.
ولاءات تتجاوز حدود الدولةوفي تقييمه لطبيعة بعض الفصائل، أشار الخبير الأمني إلى أن ارتباطات هذه الجماعات العقائدية والسياسية تجعل أولوياتها مختلفة عن أولويات الدولة العراقية ومصالحها الوطنية.
وأضاف أن بعض هذه الفصائل لا تنظر إلى تداعيات استهداف دول الخليج من الأراضي العراقية من زاوية تأثير ذلك على علاقات العراق الإقليمية أو مصالحه الاقتصادية والسياسية، بل تتحرك ضمن حسابات أوسع ترتبط بمحاور وتحالفات تتجاوز الحدود العراقية.
ويرى مراقبون أن هذا الجدل يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد داخل العراق: هل تستطيع الدولة فرض رؤيتها الأمنية بصورة كاملة، أم أن تعدد مراكز القرار والنفوذ لا يزال يمثل تحدياً أمام أي مشروع لبناء سياسة أمنية موحدة؟العراق بين السيادة وصراعات المحاورووصف الدرب هذه الفصائل بأنها تمثل “مركز دفاع متقدم” بالنسبة لإيران، معتبراً أنها تُستخدم ضمن استراتيجيات إقليمية أوسع تهدف إلى تشتيت الضغوط وفتح ساحات متعددة في لحظات التوتر.
ويرى محللون أن العراق يجد نفسه مرة أخرى في قلب معادلة معقدة، بين حاجته إلى تثبيت الاستقرار الداخلي والحفاظ على علاقاته الإقليمية، وبين استمرار نشاط جماعات مسلحة تتحرك وفق حسابات تتجاوز أولويات الدولة.
ويأتي هذا النقاش في وقت أكد فيه رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، عقب أدائه اليمين الدستورية، أن حكومته ستعمل على “حصر السلاح بيد الدولة” باعتباره أحد أبرز عناوين إصلاح المنظومة الأمنية.
ويرى متابعون أن هذا التعهد قد يكون أحد أصعب الاختبارات التي ستواجه الحكومة الجديدة، خصوصاً مع تصاعد المؤشرات على وجود محاولات مبكرة لإعادة رسم التوازنات وفرض وقائع ميدانية وسياسية قبل استقرار المشهد الحكومي بشكل كامل.
ومع استمرار التطورات، تبقى الأنظار متجهة نحو قدرة بغداد على تحويل شعارات السيادة وحصر السلاح إلى خطوات عملية، في مرحلة تبدو فيها التحديات أكبر من مجرد ملف أمني، وأكثر ارتباطاً بمستقبل الدولة العراقية نفسها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك